facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الذكاء الاصطناعي في الأردن: هل نستعد لوظائف المستقبل أم ننتظر اختفاء وظائف الحاضر؟


ملاك الكوري
12-10-2026 12:44 PM

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تطور تكنولوجي نتحدث عنه في المؤتمرات أو نتابع أخباره من بعيد، بل أصبح قوة اقتصادية تعيد رسم خريطة الوظائف والإنتاج والاستثمار، وتفرض على الدول أن تعيد التفكير في سياساتها التعليمية والتشغيلية، وفي قدرتها على حماية مواردها البشرية وتعزيز تنافسيتها.

وفي الأردن، حيث يشكل توفير فرص العمل المستدامة، ورفع الإنتاجية، واستيعاب الخريجين، وتحفيز الاستثمار تحديات اقتصادية أساسية، لم يعد السؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤثر في سوق العمل، بل كيف نستعد لهذا التأثير، وكيف نحول التحول التكنولوجي من مصدر للقلق إلى فرصة اقتصادية حقيقية؟

التحدي ليس في دخول التكنولوجيا إلى مؤسساتنا، وإنما في مدى استعدادنا لاستخدامها بكفاءة، وفي قدرتنا على بناء اقتصاد يستفيد منها بدل أن يكتفي باستهلاك منتجاتها وخدماتها. فالدول التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لزيادة الإنتاجية وتطوير الأعمال وخلق أنشطة اقتصادية جديدة، يمكنها أن تعزز موقعها التنافسي، بينما قد تجد الدول التي تتأخر في تأهيل كوادرها نفسها أمام فجوة جديدة في المهارات وفرص العمل.

لقد اعتاد العالم أن ينظر إلى التكنولوجيا باعتبارها وسيلة لتسهيل العمل وتسريع الإنجاز، لكن الذكاء الاصطناعي يذهب إلى أبعد من ذلك؛ فهو قادر على تنفيذ مهام كانت تتطلب وقتًا وجهدًا بشريين، من معالجة البيانات وإعداد التقارير إلى بعض أعمال المحاسبة وخدمة العملاء والترجمة وإنتاج المحتوى. وهذا لا يعني بالضرورة اختفاء المهن بالكامل، لكنه يعني أن طبيعة كثير من الوظائف ستتغير، وأن بعض المهارات التي كانت تمنح أصحابها ميزة في سوق العمل قد لا تكون كافية في المستقبل.

وهنا تبرز قضية تستحق نقاشًا اقتصاديًا جادًا في الأردن: هل نعدّ شبابنا لوظائف تتغير بسرعة، أم ما زلنا نهيئهم لسوق عمل بمهارات قد تفقد جزءًا من قيمتها قبل أن يحصلوا على فرصتهم الأولى؟

إن التحدي يبدأ من التعليم والتدريب. فالحصول على شهادة جامعية لم يعد وحده ضمانة للاندماج في سوق العمل، كما أن المعرفة النظرية، مهما كانت مهمة، تحتاج إلى أن تتكامل مع مهارات التحليل والتفكير النقدي وحل المشكلات والتعامل مع الأدوات الرقمية. والمطلوب ليس أن يتحول كل طالب إلى مبرمج، بل أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تمكنه من فهم التكنولوجيا واستخدامها والتحقق من مخرجاتها وتوظيفها في مجال تخصصه.

ولا يمكن ترك مسؤولية التأهيل للجامعات وحدها. فالمؤسسات التعليمية مطالبة بمراجعة برامجها بالتعاون مع القطاعات الاقتصادية، والشركات مطالبة بالمشاركة في التدريب العملي، والحكومة مطالبة بتطوير سياسات تشغيل وتدريب تستجيب للتحولات الفعلية في الطلب على المهارات.

أما برامج التدريب التي لا ترتبط بفرص عمل واضحة أو باحتياجات حقيقية للقطاعات الإنتاجية، فقد تنتهي إلى إضافة شهادات جديدة إلى ملفات الباحثين عن عمل دون أن تغير فرصهم في التوظيف.

وفي المقابل، يجب ألا نتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره تهديدًا حتميًا للوظائف. فالتكنولوجيا التي تختصر بعض المهام يمكن أن تتيح فرصًا جديدة في تحليل البيانات، والأمن السيبراني، وتطوير البرمجيات، والخدمات الرقمية، والتسويق، والصناعات الإبداعية، وتحسين كفاءة القطاعات الصحية والتعليمية والصناعية. كما يمكن للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة أن تستخدم هذه الأدوات لتطوير منتجاتها، والوصول إلى أسواق أوسع، وخفض بعض تكاليف التشغيل، وتحسين قدرتها على المنافسة.

وهذا تحديدًا ما يحتاجه الاقتصاد الأردني: ألا يقتصر دوره على استهلاك أدوات الذكاء الاصطناعي المستوردة، بل أن يعمل على توظيف العقول الأردنية في تطوير الحلول والخدمات الرقمية وتصديرها، والاستفادة من الكفاءات المحلية والمغتربة، وتشجيع ريادة الأعمال التي تحول المعرفة إلى قيمة اقتصادية وفرص عمل.

فالأردن يمتلك طاقات بشرية متعلمة، وشبابًا قادرًا على اكتساب المهارات الرقمية، وكفاءات يمكن أن تنافس في الأسواق الإقليمية والدولية. لكن هذه المزايا لا تتحول تلقائيًا إلى عائد اقتصادي؛ فهي تحتاج إلى بيئة استثمارية مشجعة، وتمويل للمشروعات الابتكارية، وشراكات بين الجامعات والقطاع الخاص، وسياسات تتيح للشركات الناشئة اختبار أفكارها وتطويرها والوصول إلى الأسواق.

ولا يقل أهمية عن ذلك إدماج الذكاء الاصطناعي في القطاع العام، ضمن ضوابط واضحة تحمي البيانات والخصوصية وتضمن المساءلة.

إذ يمكن استخدامه لتبسيط الإجراءات، وتحسين جودة الخدمات، وتحليل البيانات الاقتصادية، وتحديد أوجه الهدر، ورفع كفاءة الإنفاق.


لكن نجاح هذه التطبيقات لا يقاس بعدد الأنظمة التي تشتريها المؤسسات، بل بمدى انعكاسها على جودة الخدمة، ووقت إنجاز المعاملات، وكلفة تقديمها، وقدرة المواطن على الوصول إليها.

وفي الوقت نفسه، فإن الحديث عن فرص الذكاء الاصطناعي لا يجوز أن يحجب المخاطر الاجتماعية المحتملة.

فإذا أدى التحول الرقمي إلى تقليص الحاجة إلى بعض المهام دون توفير مسارات لإعادة تدريب العاملين، فقد تتضرر فئات من الموظفين، ولا سيما من يصعب عليهم تحمل كلفة الانتقال إلى مهن جديدة.

لذلك، فإن العدالة الاقتصادية تقتضي أن تترافق عملية التحول مع برامج لإعادة التأهيل، وحماية مناسبة للعاملين، وتوعية بالمهن والمهارات التي يتغير الطلب عليها.

وهناك جانب آخر لا بد من الانتباه إليه، وهو الفجوة الرقمية بين المؤسسات والأفراد.
فالشركات الكبيرة قد تمتلك الموارد اللازمة لتبني أحدث الأدوات وتدريب موظفيها، بينما قد تواجه المؤسسات الصغيرة، وبعض المناطق الأقل وصولًا إلى التدريب والخدمات الرقمية، صعوبات في مواكبة التغيير.
وإذا لم تُعالج هذه الفجوة، فقد تتحول التكنولوجيا من أداة لتوسيع الفرص إلى عامل يزيد التفاوت في الإنتاجية والدخل والقدرة على المنافسة.

ومن هنا، فإن المطلوب في الأردن ليس إعلان استراتيجيات جديدة فحسب، بل وضع أهداف قابلة للقياس، وربطها بجدول زمني ومؤشرات واضحة.

كم شابًا وشابة جرى تأهيلهم في مهارات يحتاجها السوق فعلًا؟ كم مؤسسة صغيرة تمكنت من رفع إنتاجيتها باستخدام التكنولوجيا؟ ما عدد الوظائف الجديدة التي أوجدتها الأنشطة الرقمية؟ وما أثر التحول التكنولوجي في الأجور وفرص التشغيل وجودة الخدمات العامة؟

هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تقود النقاش، بدل الاكتفاء بالاحتفاء بالتكنولوجيا أو التخويف منها.

كما أن قياس النجاح يجب ألا يقتصر على عدد المتدربين أو البرامج المنفذة، بل ينبغي أن يشمل النتائج الفعلية: فرص العمل التي حصل عليها المتدربون، والدخل الذي حققوه، والمشروعات التي توسعت، والوقت والتكلفة اللذين أمكن توفيرهما.

إن الذكاء الاصطناعي لا ينتظر أحدًا، وسرعة تطوره تجعل التأخر في الاستعداد أكثر كلفة بمرور الوقت. لكن المستقبل ليس محكومًا بخسارة الوظائف، كما أنه ليس مضمونًا بمجرد امتلاك التكنولوجيا؛ بل يتحدد بقدرة الدول على اتخاذ القرارات المناسبة، وتطوير التعليم، وتحفيز الاستثمار، وحماية الإنسان في قلب التحول الاقتصادي.

والسؤال الذي ينبغي أن يواجه صانع القرار في الأردن اليوم ليس كم أداة ذكاء اصطناعي دخلت مؤسساتنا، بل كم فرصة اقتصادية جديدة استطعنا أن نصنعها من خلالها، وكم شابًا أردنيًا أصبح أكثر قدرة على المنافسة، وكم وظيفة تحولت من عمل تقليدي محدود الإنتاجية إلى عمل أكثر قيمة واستدامة.

فالذكاء الاصطناعي قد يغير شكل الوظائف، لكنه لا يعفي الدولة من مسؤوليتها في إعداد الإنسان للمستقبل.

وبين اقتصاد ينتظر التكنولوجيا لتغير واقعه، واقتصاد يستعد لها ليصنع فرصه، تتحدد قدرة الأردن على تحويل هذا التحول العالمي إلى ميزة تنافسية حقيقية.

المستقبل لن يكون لمن يخشى الذكاء الاصطناعي، ولا لمن ينبهر به دون تخطيط، بل لمن يمتلك المعرفة والقدرة على توظيفه في خدمة الإنسان والإنتاج والاقتصاد الوطني.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :