إنَّ الأنتماء للأردن وصون مقدارته ومنجزاته ، والحفاظ على السيرة العطرة التي يتفرد بها على مستوى العالم أجمع ، هي مسؤولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق المواطنين جميعآ بدون أستثناء ، وأن هذه المرحلة بظروفها ومعطياتها ومتطلباتها تستدعي تظافر جميع الجهود وتكاملها، وذلك بهدف أستكمال مسيرة البناء والإنماء وتجاوز أي عقبات قد تواجهها ، بحيث يصبح جميع المواطنون صفاً واحداً متراصاً مترابطاً خلف قيادتنا الهاشمية المظفرة، فالجبهة الداخلية المتماسكة والمتراصة هي وحدها التي تصون الأردن وتحميه ، وتحافظ على أمنه وأستقراره ، وتعزز من تقدمه وتطوره وأزدهاره.
اقول قولي هذا ،وأنا أشعر أن هناك ثمة فئة -وهي قلة قليلة جدآ - قد استمرأت منذ سنوات وسنوات على التسابق في نقد الحكومات المتعاقبة في أي قرار تتخذه دون النظر إلى مبررات أو موجبات إتخاذ تلك القرارات ، مثلما دأبت على جلد الذات والتعامي عن الإيجابيات وتعظيم السلبيات ، ومحاولة أثارة القلائل والفتن ، مستغلة بذلك أجواء الحرية والتسامح التي ننعم بها في هذا البلد الآمن المستقر العصي على المؤآمرات، بهدف خلق رأي عام مناهض للدولة والحكومات بشكل عام ، ونثر بذور الفرقة والأنقسام في المجتمع الأردني ، وهذا الأمر ليس في مصلحة الوطن أو المواطن .
ومن المؤكد أن الحاجة مازالت ماسة لتطوير تشريعاتنا الناظمة ، وذلك لوضع حد لمثل هؤلاء الأشخاص ، والذين تمادوا كثيراً في تصرفاتهم الغير مسؤولة بحق الوطن عبر منصات التواصل الإجتماعي ، لا سيما إذا ما علمنا أنه لا يوجد في قانون المطبوعات والنشر أو الجرائم الإلكترونية ما يشير صراحة إلى تعريف ثابت وجامع لمفهوم الأشاعة أو إيجاد العقوبة الرادعة لمطلقيها أو مروجيها ، ومن خلال اطلاعي على قانون أصول المحاكمات الجزائية وتعديلاته ، فإنني لم أجد تشريع بنص قانوني محدد يجرم الشائعات بشكل صارم ، لكن هذا الأمر لا ينفي وجود مواد بالقانون تعاقب على نقل أو إذاعة أخبار كاذبة أو مختلقة في ظروف معينة ، إلا أن واقع الحال يستدعي تشريع مواد قانونية رادعة للقضاء على هذة الأفة الهدامة ، والتي تستهدف تفتيت النسيج الوطني والمس بهيبة الدولة.
وفي هذا العصر الحداثي المعولم والذي يشهد تطوراً تقنياً هائلاً ومتسارعاً في وسائل الإتصال وتكنولوجيا المعلومات ، فقد أصبحت الشائعة أكثر رواجاً وأبلغ تاثيراً من ذي قبل ، وذلك بعد أنتشار منصات التواصل الإجتماعي ، والتي أصبحت وسيلة فاعلة لنشر الأخبار الكاذبة والمفبركة ، ونقل المعلومات المحرفة وغير الصحيحة ، وتشكيل الرأي العام المناهض خلال بضعة دقائق ، بغية تمرير أهداف خبيثة وأفكار مسمومة مضللة لبث الرعب في نفوس المواطنين ، الأمر الذي يسهم في أرباك المجتمع ، وزعزعة أمنه وأستقراره ،وبخاصة في وقت الأزمات ، فالشائعة لم تعد منطوقة ، وإنما مكتوبة وتنشر عبر المواقع الإلكترونية المختلفة ، وتصل بسرعة البرق من خلال استخدام تطبيقات الهاتف الذكية ، فيصبح متلقي الإشاعة -دون قصد - مروجاً لها في حالة أعادة نشرها أو نقلها لشخص آخر .
وفي هذا السياق ، ومن خلال تصفحي لمقالة جلالة الملك عبدالله الثاني منصات التواصل أم التناحر الإجتماعي والمنشورة قبل بضع سنوات ، والتي تتمحور في مجملها أن الشائعات والأخبار الملفقة هي الوقود الذي يغذي به أصحاب الأجندات الخاصة متابعينها لأستقطاب الرأي العام أو تصفية حسابات شخصية أو سياسية ، هذه المقالة التي يتسآئل فيها جلالة الملك حينذاك إلى ماذا سيؤول حالنا إن لم نكن مسؤولين أو حذرين في تفاعلنا على المنصات الإلكترونية ، وما هو مستقبلنا إذا ما أثرنا الأشاعة على الحقيقة ، وإذا أصبح اغتيال الشخصية أمراً مقبولاً واعتياديا كيف سنتقدم للأمام ، ولعل أهم ما ميز هذه المقالة هو التصور الملكي الحصيف الذي يشخص الداء ويصف الدواء ، ويضع الحلول الناجعة لمواجهة هذه الظاهرة الفتاكة.
أن تعاليم الدين الإسلامي الحنيف تحرم أشاعة أسرار المسلمين وشؤونهم الداخلية ،والتي تمس أمنهم وأستقرارهم ، وذلك حتى لا يعلم الأعداء عن مواضع الضعف والوهن فيها فيستغلونها ، أو مواطن قوتهم فيتحصنوا منها ، فمنذ فجر التاريخ وبدء الخليقة لم يسلم من الشائعات الأنبياء أو الصالحون ، فالصراع بين الحق والباطل مستمر حتى يرث الله -عز وجل - الأرض ومن عليها ، والشائعة ضررها أشد من القتل ، فالشائعات من أهم الوسائل المؤدية إلى الفتنة والوقيعة بين بني البشر ، وفي هذا السياق يقول سبحانه وتعالى في محكم تنزيل كتابه العزيز في سورة البقرة (الفتنة أشد من القتل ) صدق الله العظيم .
أن نشر الشائعات سلاح خطير يفتك بالمجتمع ويقوض بنيانه ، ويسيء ظن أبناءه بعضهم ببعض ، ويفضي إلى حالة من عدم الثقة بينهم ، وأن أسرع الأمم تصديقا لم تأتي به الشائعات هي الأمم الجاهلة المتخلفة ، فبسذاجتها تصدق كل ما يقال وتردد الأخبار الكاذبة دون تمحيص أو تفنيد ، أما الأمم الناهضة والمتحضرة فهي لا تلتفت ابدا إلى الشائعات وتكون واعية ومدركة لمكر أعداءها ، فلا يؤثر على مسيرتها في شيء ، وفي هذه المرحلة التي يمر بها بلدنا ينبغي أن نكون يداً واحدة يكمل بعضنا بعضا ، لقطع الطريق على كل من يتربص بنا ، أو يحاول إيجاد ثغرة يتسلل من خلالها إلى صفوفنا المتراصة المترابطة ،والعصية على الأختراق .
ومما لا ريب فيه ، أن الشائعة جريمة ترتكب بحق المجتمع ، ومطلقها ومروجها هو مجرم وأثم في حق دينه ومجتمعه وأمته ، وأن ما يثير علامات الدهشة والأستغراب هو أنصياع بعض من متلقي الشائعات المغرضة والتعامل معها وكأنها حقائق مسلمة ، وذلك من دون تعقب مصدرها أو تحري صحتها أو مدى مصداقيتها ، ومن هنا تأتي أهمية الدعوة إلى إعادة تأهيل وبناء دور مؤسسات الإعلام الرسمي والأهلي- على حد سواء- في مواجهة الشائعات ومواكبة الأحداث اولآ بأول ، وتحصين أبناء المجتمع من خطرها الفتاك ، وأدراك أن معطيات الحياة قد تغيرت في الألفية الجديدة ، لذلك لا بد من التعجيل في مواكبة روح العصر وأيقاعه المتسارع ، والتخلي عن الدور النمطي والتقليدي الذي كانت تمارسه في القرن المنصرم ، والذي لا يفي بالغرض ولا يحقق الغاية المنشودة.