"عِشتار وإستير" لعبدالكريم خليل .. حين يستعيد التاريخ أسئلته عبر الحكاية
12-10-2026 11:39 AM
عمون - في مساحة سردية رحبة، تتجاور فيها الحكاية والتاريخ، وتتقاطع الحضارات والجغرافيا من بابل إلى أثينا، ومن مصر إلى أورشليم، يقدّم الروائي الأردني عبدالكريم خليل في روايته الجديدة "عِشتار وإستير" عالماً روائياً يستعيد زمناً قديماً ليطرح أسئلة لا تزال راهنة حول الفقر والثروة، والحرية والاستبداد، والهوية والتعصب، والحب والخيانة.
وتنطلق الرواية، الصادرة حديثًا عن "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن (2026)، في نحو 592 صفحة، من أثينا عام 333 قبل الميلاد، في عهد الإسكندر المقدوني، قبل أن تتشعب أحداثها وشخصياتها في مسارات تمتد إلى الفيوم المصرية وبلاد فارس وأورشليم، مستندة إلى وقائع تاريخية، فيما يترك المؤلف للشخصيات والحوارات ومساراتها الدرامية مساحة الخيال الروائي.
وتدور الحكاية في جوهرها حول شخصيتين نسائيتين متناقضتين في المنشأ والموقع الاجتماعي؛ عشتار البابلية الفقيرة، وإستير العبرية المنتمية إلى عائلة ثرية، لتتحول العلاقة بينهما إلى محور تتقاطع حوله صراعات اجتماعية وثقافية وسياسية، وتتكشف من خلاله تحولات الشخصيات واختبارات الزمن.
تبدأ عشتار حياتها في أحد أحياء أثينا الفقيرة، حيث تعيش مع جدتها ليلتو، وتكسبان رزقهما من صناعة دمى الشمع وبيعها في الأسواق. ولا تكتفي عشتار بصناعة الدمى، بل تمنح كل واحدة منها حكاية، فتتحول هذه الحكايات إلى مرآة للمجتمع وما يعتمل فيه من تناقضات، وإلى وسيلة للتعبير عن موقفها من الفقر والتمييز والاستغلال.
ومن خلال انتقالها إلى منزل الأسرة العبرية الثرية، تلتقي عشتار بإستير، لتبدأ بين الفتاتين علاقة مشحونة بالتوتر والعداء، سرعان ما تتجاوز حدود الخلاف الشخصي لتلامس مسائل الهوية والانتماء والطبقية والتعصب. وفي مقابل عشتار، التي تمثل صوت الفقر والمنفى والاغتراب، تظهر إستير بوصفها ابنة عالم مترف تحكمه منظومة من القيم والموروثات المغلقة.
ويتسع فضاء الرواية لاحقًا ليشمل مصر، حيث تتقاطع حكايات الأرملة سمارة بنت مريتون وابنها أبوبيس، والطبيب اليوناني أدونيس، وقصة حبه المأساوية لهبة الشمس. وفي هذا المسار تتداخل حكايات الأسر والرق والقرصنة البحرية، وتبرز شخصية مليكة الكنعانية التي تقود النساء الأسيرات في مواجهة قراصنة البحر، قبل أن يتدخل التاجر المصري حورس لإنقاذ عشتار من الرق، فاتحًا أمامها بابًا جديدًا للحياة.
ثم تعود الرواية إلى أثينا في عهد الملكة هيلين، حيث يشتد حضور السلطة والاستبداد، وتتخذ المواجهة بين عشتار وإستير أبعادًا أكثر تعقيدًا. ويظهر أوديسيوس بن تسيبراس بوصفه شخصية تتقاطع فيها الشجاعة مع الضعف، والحلم الثوري مع الانتهازية، فيما تنخرط عشتار في مغامرة عاطفية وسياسية تقودها إلى السجن والفرار عبر البحر.
وفي الفصل الأخير، تنتقل الأحداث إلى أورشليم عام 285 قبل الميلاد، حيث تستقر عشتار وحورس في جبل الزيتون، وتتشكل لهما عائلة كبيرة. وهناك تظهر راشيل، حفيدة إستير، بائعةً للدمى، في استعادة واضحة للرمز المركزي في الرواية، وكأن الحكاية لا تنتهي وإنما تنتقل من جيل إلى آخر، لتقول إن التاريخ، مهما ابتعد، قادر على إعادة إنتاج أسئلته في صور جديدة.
وتنهض شخصية عشتار في الرواية بوصفها مركزًا دلاليًا وإنسانيًا؛ فهي الفتاة التي تواجه الفقر والتهميش والاقتلاع، وتحمل في ذاكرتها إرث بابل وفي صوتها قدرة الحكاية على مقاومة الواقع. أما إستير فتأتي بوصفها نقيضًا دراميًا لعشتار، قبل أن تتطور شخصيتها تدريجيًا وتنكشف تناقضاتها الداخلية، بما يجعلها أكثر من مجرد خصم تقليدي في البناء الروائي.
وفي فضاء الشخصيات أيضًا، تحضر الجدة ليلتو بوصفها حاملةً لذاكرة بابل وحكمة المنفى، في مقابل الجدة ليليث التي تمثل الوجه المتشدد والمنغلق للهوية. ويكتسب أوديسيوس أهمية خاصة من خلال تحوله من لص إلى مثقف ثوري ثم إلى شخصية تتورط في الانتهازية، بينما يجسد حورس صورة الإنسان الذي يتجاوز الانتماءات الضيقة نحو قيمة إنسانية أكثر رحابة.
ولا تقف الرواية عند حدود الحكاية التاريخية، بل تعتمد بناءً سرديًا متشعبًا تتوالد فيه الحكايات من بعضها بعضًا، في تقنية تستدعي في بعض مستوياتها تقاليد السرد العربي القديم، ولا سيما "ألف ليلة وليلة". فحكايات عشتار ودمى الشمع ليست مجرد استطرادات حكائية، وإنما تتحول إلى أدوات للكشف عن المجتمع وتناقضاته، وإلى فضاء رمزي تتداخل فيه الحكاية بالواقع.
كما يمنح خليل شخصياته مساحات متعددة للتعبير عن رؤاها، فلا يبدو السرد محكومًا بصوت واحد، بل تتجاور وجهات نظر مختلفة حيال الدين والسياسة والهوية والسلطة والحب. وتحتل الحوارات الفكرية والسياسية مساحة لافتة، خصوصًا في المشاهد التي تجمع الشخصيات في الفضاءات العامة، بما يجعل الحوار جزءًا من البناء الدرامي وليس مجرد وسيلة لنقل المعلومات.
ويستند الكاتب إلى مادة تاريخية ودينية واسعة، مستفيدًا من عدد من النصوص والمراجع، ومنها نصوص من أسفار الكتاب المقدس، ليعيد إدراجها في سياق روائي يفتح الباب أمام مساءلة العلاقة بين النص والممارسة، وبين المعتقد والسلوك الإنساني.
وتتخلل العمل قصائد وأغانٍ وأناشيد تؤدي وظائف متعددة داخل السرد، فتارة تكشف ما تخفيه الشخصيات من مشاعر، وتارة أخرى تصف الأمكنة والأحداث أو تحمل دلالات سياسية، كما في قصيدة الجدة ليلتو في وداع بابل، وأشعار الجنود والثوار.
ويبرز في الرواية كذلك حضور الرمز؛ فحقيبة الدمى تتحول إلى علامة على الذاكرة والموروث، فيما تصبح الدمى ذاتها نماذج مصغرة لشخصيات المجتمع وطبقاته، بينما يظل البحر فضاءً مفتوحًا على الحرية والمجهول والخطر، وهو ما ينسجم مع حركة الشخصيات الدائمة بين الأمكنة والهويات والمصائر.
أما لغة الرواية، فتتسم بثراء معجمي واضح، وجمل ذات إيقاع موسيقي، وتوظيف كثيف للتشبيه والاستعارة والكناية، إلى جانب حضور السجع في بعض المقاطع الوصفية. ويمنح هذا التنوع اللغوي النص طابعًا شعريًا يتلاءم مع اتساع عالمه التاريخي وتعدد طبقاته الحكائية.
بهذا المعنى، تبدو "عِشتار وإستير" محاولة لاستعادة التاريخ لا بوصفه ماضيًا مغلقًا، وإنما باعتباره مادة حيّة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول الإنسان وموقعه في منظومات القوة والهوية والانتماء. وبين بابل وأثينا ومصر وأورشليم، تتحرك الشخصيات في فضاء روائي واسع، تتغير فيه الأمكنة والأزمنة، فيما تبقى الأسئلة الإنسانية، في جوهرها، معلقة على حبل الحكاية.