* الجاهزية النفسية والمادية وبناء جبهة داخلية لا تهتز أمام الأزمات
لم يعد الاستعداد للمستقبل ترفاً فكرياً، ولا موضوعاً يخص المؤسسات العسكرية والأمنية وحدها، بل أصبح مسؤولية وطنية مشتركة تبدأ من الدولة، وتمتد إلى القطاع الخاص والمجتمع والأسرة والفرد. فالعالم الذي نعيش فيه يتغير بسرعة، والأزمات لم تعد تأتي منفردة؛ إذ يمكن أن تتزامن الحروب مع اضطراب أسواق الطاقة، وتعطل طرق التجارة، وتراجع فرص العمل، وارتفاع كلف المعيشة، وتفاقم الشح المائي، وتزايد المخاطر المناخية.
وفي هذه البيئة المضطربة، لا يكفي أن نراقب الأخبار ونحلل الأحداث بعد وقوعها، بل ينبغي أن نسأل أنفسنا سؤالاً أكثر أهمية: هل الأردن مستعد نفسياً ومادياً واقتصادياً ومؤسسياً للتعامل مع ما قد تحمله الأشهر والسنوات المقبلة؟
إن المطلوب ليس نشر الخوف بين الأردنيين، ولا رسم صورة قاتمة للمستقبل، وإنما الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى الاستعداد المبكر لها، ومن ردود الفعل المتأخرة إلى التخطيط القائم على السيناريوهات والاحتمالات.
أولاً: عالم مضطرب ومخاطر تتشابك
تشهد المنطقة تطورات متسارعة في مسار الحرب الأمريكية الإيرانية، وتتزايد المخاطر المرتبطة بأمن الملاحة والطاقة في الخليج العربي ومضيق هرمز. وأي اتساع إضافي للمواجهة قد ينعكس على أسعار النفط والغاز والشحن والتأمين، ويزيد كلف النقل والإنتاج والاستيراد، حتى بالنسبة للدول التي لا تشارك في الحرب.
كما أن تجدد المواجهات بين السعودية والحوثيين في اليمن يضيف بُعداً آخر للمخاطر الإقليمية، لا سيما مع احتمالات امتداد الاضطراب إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو ممر استراتيجي للتجارة العالمية. وقد تناولت تقارير منشورة في 18 تشرين الأول 2026 تصاعد المواجهات وتداعياتها الإقليمية. ولا يعني ذلك أن إغلاق باب المندب حتمي، لكنه احتمال ذو كلفة مرتفعة يستحق الاستعداد له.
إن خطورة هذه التطورات لا تكمن في كل حدث على حدة فحسب، بل في إمكانية تزامنها: ارتفاع أسعار الطاقة، وتعطل بعض مسارات الشحن، وارتفاع كلف السلع الأساسية، وتراجع حركة السياحة والاستثمار، واضطراب الأسواق المالية. وعندئذ قد تجد الدول المستوردة للطاقة نفسها أمام ضغوط متزامنة على الموازنة العامة والقطاع الخاص والقدرة الشرائية للمواطنين.
أما في أوروبا، فإن الاحتجاجات والتحركات الاجتماعية، إلى جانب الضغوط المعيشية والسياسية في عدد من الدول، تذكّرنا بأن المجتمعات المتقدمة اقتصادياً ليست بمنأى عن التوترات حين تتراكم الأعباء وتتراجع الثقة أو تتصادم التوقعات الشعبية مع القرارات الحكومية. ولا يصح اختزال هذه التحركات في سبب واحد أو اعتبارها دليلاً على انهيار وشيك، لكن من الحكمة دراسة أسبابها والاستفادة من دروسها في إدارة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.
الدرس الأساسي هو أن الاستقرار لا يقوم على قوة المؤسسات وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى مجتمع قادر على التحمل، واقتصاد قادر على الاستمرار، ودولة تستعد للمخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات مفتوحة.
ثانياً: القضية الفلسطينية والأمن الوطني الأردني
لا يمكن قراءة المشهد الإقليمي من دون التوقف أمام التطورات في الضفة الغربية، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، والتوسع الاستيطاني، والإجراءات التي تزيد الضغوط على الفلسطينيين وتدفع بعض التجمعات السكانية إلى النزوح.
وقد حذرت الأمم المتحدة في أيلول 2026 من تزايد النزوح في الضفة الغربية ومخاطر النقل القسري للسكان، كما أدانت جهات أوروبية في 18 تشرين الأول اعتداءات جديدة شملت فلسطينيين ودبلوماسيين وصحفيين.
إن هذه الوقائع تستوجب موقفاً أردنياً سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً واضحاً، لأن تهجير الفلسطينيين من أرضهم ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل مسألة تمس حقوق الشعب الفلسطيني ومستقبل القضية الفلسطينية والأمن الوطني الأردني مباشرة.
ويجب التمييز هنا بين أمرين: وجود مؤشرات فعلية على تصاعد الضغوط والتهجير في بعض مناطق الضفة الغربية، وبين اعتبار التهجير الجماعي إلى الأردن نتيجة مؤكدة أو خطة منفذة بالكامل. فالأمر الثاني لا يجوز الجزم به من دون أدلة موثوقة. لكن عدم اليقين لا يبرر تجاهل الخطر؛ بل يجعل التخطيط الوقائي ضرورة.
وعليه، يحتاج الأردن إلى استراتيجية متعددة المسارات تشمل تكثيف التحرك الدبلوماسي، وتوثيق الانتهاكات، وتنسيق المواقف العربية والدولية، ورفع الجاهزية الحدودية والإنسانية، مع تأكيد أن الأردن لن يكون بديلاً عن الوطن الفلسطيني، وأن حماية حقوق الفلسطينيين تتطلب بقاءهم على أرضهم وتمكينهم من العيش الكريم عليها.
وفي الجنوب السوري، فإن التدخلات والعمليات العسكرية الإسرائيلية وما قد يصاحبها من اضطراب أمني، إلى جانب مخاطر تهريب المخدرات والسلاح وتحركات الجماعات المسلحة، تستدعي استمرار اليقظة الحدودية والتنسيق الأمني والدبلوماسي. لكن الاستعداد يجب أن يستند إلى تقدير واقعي للتهديدات، لا إلى افتراض أن كل تطور في سوريا سيؤدي بالضرورة إلى مواجهة مباشرة مع الأردن.
ثالثاً: الأردن أمام تحديات داخلية لا تقل أهمية عن التحديات الخارجية
يمتلك الأردن خبرة طويلة في التعامل مع الأزمات الإقليمية، وأظهر الاقتصاد قدرة على الصمود في ظروف صعبة. وقد أشار تقييم لصندوق النقد الدولي في عام 2026 إلى استمرار الاستقرار الاقتصادي الكلي، مع بقاء ضغوط الحرب على السياحة والطاقة والتجارة، وتحديات المديونية والمياه.
لكن القدرة على الصمود لا تعني أن المخاطر انتهت، ولا أن المجتمع قادر على تحمل ضغوط إضافية بلا حدود.
فالأردن يواجه مجموعة من التحديات المتداخلة:
1. البطالة والفقر وضغوط المعيشة
تظل البطالة، ولا سيما بين الشباب، تحدياً بنيوياً يتطلب فرص عمل منتجة ومستدامة. وقد سجلت دائرة الإحصاءات العامة بطالة بلغت 16.1% بين الأردنيين وغير الأردنيين في الربع الثاني من عام 2026، وبلغت 21% بين الأردنيين وفق البيان المنشور في أيلول.
وأي ارتفاع حاد في كلف الوقود والنقل والغذاء قد يضغط على الأسر محدودة الدخل، ويؤثر في قدرة المنشآت الصغيرة على الاستمرار والتوظيف. لذلك لا يجوز التعامل مع الحماية الاجتماعية باعتبارها ملفاً منفصلاً عن الأمن الوطني؛ فالقدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية تعزز الثقة والاستقرار والتماسك الاجتماعي.
2. المديونية الداخلية والخارجية وضيق الحيز المالي
ارتفاع المديونية وكلفة خدمتها يحدان من قدرة الحكومة على المناورة عند وقوع أزمة جديدة. فإذا تراجعت الإيرادات السياحية أو ارتفعت كلفة الطاقة أو احتاجت الدولة إلى تمويل طارئ، فقد تتزاحم الاحتياجات مع محدودية الموارد.
ولهذا فإن أي خطة استعداد يجب أن تراعي عدم تحويل الاستعداد للأزمات إلى إنفاق غير مدروس أو اقتراض إضافي غير منتج. المطلوب هو إعادة ترتيب الأولويات، وتحسين كفاءة الإنفاق، وبناء احتياطيات تشغيلية ومالية حيثما أمكن، وربط الاستثمارات العامة بمردودها الاقتصادي والاجتماعي.
3. الشح المائي والتغير المناخي
المياه في الأردن ليست قضية خدماتية عادية، بل قضية أمن وطني وتنمية واستقرار اجتماعي. ويزيد ارتفاع درجات الحرارة وتذبذب الهطول المطري واحتمالات الجفاف والفيضانات المفاجئة من صعوبة إدارة الموارد المائية.
وتؤكد التقييمات الدولية استمرار تعرض الأردن لشح مائي هيكلي، مع توقعات مناخية تزيد الضغوط على الموارد. ولذلك فإن الاستعداد لا يقتصر على توفير مصادر مياه إضافية، بل يشمل تقليل الفاقد، وإصلاح الشبكات، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وحماية الأحواض، وتحسين كفاءة الري، وتعزيز الإنذار المبكر بالسيول والجفاف.
4. الاعتماد على الخارج في الطاقة والسلع الأساسية
عندما ترتفع أسعار النفط أو تتعطل طرق الشحن، لا يتأثر المستهلك وحده، بل ترتفع كلف النقل والإنتاج الزراعي والصناعي والتوزيع. وقد تنتقل الصدمة إلى أسعار الغذاء والخدمات، ثم إلى الموازنة العامة والقدرة الشرائية.
ومن هنا تأتي أهمية تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز كفاءة استخدامها، وتوسيع التخزين الاستراتيجي المدروس، وتحسين مرونة سلاسل الإمداد، وتطوير الإنتاج المحلي حيثما كان مجدياً اقتصادياً.
إن التحدي الحقيقي أمام الأردن ليس أن يمنع كل أزمة عالمية من الوصول إليه، فهذا غير ممكن، بل أن يقلل سرعة انتقال آثارها وحجم خسائرها وقدرتها على إرباك الحياة اليومية.
رابعاً: الجاهزية النفسية؛ كيف نحمي المجتمع من الخوف والشائعات؟
الجاهزية النفسية ليست دعوة إلى تجاهل الأخطار أو الاطمئنان غير المبرر، وإنما هي القدرة على التفكير الهادئ واتخاذ القرار الصحيح في ظروف عدم اليقين.
ففي أوقات التوتر الإقليمي تنتشر الشائعات، وتُتداول الأخبار غير الموثقة، وقد يسارع البعض إلى شراء كميات مبالغ فيها من الوقود أو الغذاء أو سحب أموالهم بدافع الخوف. ويمكن لمثل هذه التصرفات أن تزيد الضغط على الأسواق وتخلق مشكلات لم تكن موجودة أصلاً.
ولذلك أقترح برنامجاً وطنياً للجاهزية النفسية والمعلوماتية يقوم على ما يلي:
أولاً، اعتماد خطاب رسمي واضح وسريع، يشرح ما هو مؤكد وما هو محتمل، وما الذي اتخذته الدولة من إجراءات، وما الذي ينبغي على المواطنين فعله عند الحاجة.
ثانياً، إنشاء آلية موحدة لتفنيد الشائعات المرتبطة بالأمن والطاقة والمياه والغذاء، ونشر المعلومات عبر قنوات رسمية يسهل الوصول إليها، من دون تهويل أو تعتيم.
ثالثاً، إدماج مبادئ الاستعداد المدني في المدارس والجامعات والمؤسسات وأماكن العمل، بما يشمل التعامل مع انقطاع الخدمات، والإسعافات الأولية، والحرائق، والسيول، والطوارئ الصحية.
رابعاً، تشجيع الأسر على وضع خطة بسيطة للطوارئ، تتضمن أرقام الاتصال الضرورية، وترتيب التواصل بين أفراد الأسرة، ومعرفة مصادر المعلومات الرسمية، وتحديد الاحتياجات الخاصة بالأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.
خامساً، تعزيز ثقافة المسؤولية المجتمعية، بحيث لا تتحول الأزمة إلى مناسبة للتخوين أو الاستغلال أو الاحتكار، بل إلى اختبار للتعاون والانضباط والتكافل.
إن المواطن الواعي ليس الذي يتوقع الأسوأ دائماً، بل الذي يعرف كيف يتصرف إذا وقع الأسوأ، وكيف يواصل حياته وعمله من دون أن يكون أسيراً للشائعات أو الخوف.
خامساً: الجاهزية المادية؛ من الأسرة إلى الدولة
الجاهزية المادية ليست تكديس السلع أو تخزين الوقود في المنازل، وليست دعوة إلى الانسحاب من الحياة الاقتصادية. إنها إدارة رشيدة للموارد، وبناء احتياطيات مناسبة، وتقليل الهدر والديون غير الضرورية، وتوفير بدائل عند تعطل الخدمات أو ارتفاع الأسعار.
وعلى مستوى الأسرة، من الحكمة مراجعة النفقات، والتمييز بين الاحتياجات الأساسية والمشتريات القابلة للتأجيل، وتقليل الاستدانة الاستهلاكية، والاحتفاظ باحتياطي مالي متاح وفق الإمكانات، وعدم استنزاف المدخرات في توقعات غير مؤكدة.
كما ينبغي تنظيم الاحتياجات المنزلية الأساسية بصورة معتدلة، والاحتفاظ بمستلزمات ضرورية تكفي لفترة قصيرة من الاضطراب المحتمل، وفق توصيات الجهات المختصة. أما تخزين الوقود في أماكن غير آمنة أو شراء كميات تفوق الحاجة، فيعرض الأفراد للخطر ويزيد الضغط على الأسواق.
وعلى مستوى الدولة، ينبغي الانتقال من مفهوم الاحتياطيات الموجودة على الورق إلى اختبار قدرة المنظومة الوطنية على العمل في ظروف الضغط: هل تستطيع الأسواق توفير السلع الأساسية إذا ارتفعت كلف الشحن؟ هل يمكن استمرار ضخ المياه إذا انقطعت الكهرباء عن منشأة حيوية؟ هل تستطيع المستشفيات مواصلة خدماتها عند تعطل بعض الإمدادات؟ وهل تتوافر بدائل لنقل البضائع إذا تعرض أحد الممرات البحرية لاضطراب طويل؟
هذه أسئلة عملية يجب أن تتحول إلى خطط قابلة للاختبار والقياس.
سادساً: خطة وطنية محكمة لتعزيز صلابة الداخل الأردني
أقترح إطلاق برنامج وطني بعنوان «الأردن المستعد: دولة مرنة ومجتمع متماسك واقتصاد قادر على الصمود»، تحت إشراف حكومي مركزي، وبمشاركة المؤسسات الأمنية والمدنية والاقتصادية والبلديات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني.
ويقوم البرنامج على المحاور التالية:
المحور الأول: غرفة وطنية لتقدير المخاطر والإنذار المبكر
تُفعّل آلية تنسيق وطنية تجمع المعلومات من الجهات المعنية، وتصدر تقييماً دورياً للمخاطر، مع تحديد المسؤوليات بوضوح، وتحديث الخطط وفق تطورات المنطقة.
ويجب أن تشمل المراقبة مؤشرات أسعار الطاقة والشحن والتأمين، وتوافر الغذاء والدواء، والمياه، والطقس المتطرف، والتهديدات السيبرانية، وحركة السياحة والتجارة، والضغوط الاجتماعية.
وتُعد ثلاثة مستويات للتأهب: اعتيادي، ومرتفع، وطارئ، ولكل مستوى إجراءات محددة ومعلنة بالقدر الذي لا يمس الأمن الوطني. ولا ينبغي إعلان حالة طوارئ أو رفع مستوى التأهب لمجرد تداول خبر، بل استناداً إلى معايير موثوقة.
المحور الثاني: سيناريوهات واضحة بدلاً من المفاجآت
يجب إعداد خطط مسبقة لثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: استمرار الاضطراب الإقليمي ضمن حدوده الحالية.
وفيه تُركز الدولة على ضبط الإنفاق، ودعم الفئات الأكثر تأثراً، وتعزيز المخزونات التشغيلية، وتنويع مصادر الطاقة والإمداد، وحماية السياحة والاستثمار، مع استمرار الاستعداد الأمني والحدودي.
السيناريو الثاني: اتساع المواجهة وارتفاع كلف الطاقة والشحن.
وفيه تُفعّل خطط تقليل استهلاك الطاقة في المؤسسات العامة، وإعطاء الأولوية للسلع الأساسية والأدوية والمواد اللازمة للإنتاج، ومراجعة أولويات الاستيراد، وتقديم دعم مؤقت وموجه للأسر والمنشآت الأكثر تضرراً وفق موارد الدولة، مع تجنب الدعم الشامل المكلف وغير المستدام.
كما ينبغي إعداد بدائل لطرق الشحن والتوريد، وتنسيق النقل البري والجوي والبحري وفق الإمكانات والاتفاقيات المتاحة، مع عدم افتراض أن كل البدائل قابلة للاستخدام فوراً أو بالكلفة نفسها.
السيناريو الثالث: أزمة إقليمية مركبة وطويلة الأمد.
وهو السيناريو الذي يجمع بين ارتفاع الطاقة وتعطل بعض طرق التجارة وتراجع السياحة وضغوط مالية أو مائية، وربما تطورات إنسانية أو أمنية على الحدود.
وفي هذه الحالة تُفعّل أولويات استمرار الخدمات الحيوية، ويعاد ترتيب الإنفاق العام، وتُحمى سلاسل إمداد الغذاء والدواء والمياه، وتُستخدم الاحتياطيات وفق قواعد واضحة، وتُعزز المساندة الدولية، مع إبقاء المؤسسات الاقتصادية والصحية والتعليمية والخدمية قادرة على العمل.
ويجب أن تتضمن الخطط مؤشرات واضحة للانتقال من سيناريو إلى آخر، واختبارات دورية لقياس فاعليتها، لا أن تبقى وثائق محفوظة في الأدراج.
المحور الثالث: الأمن الغذائي والدوائي وسلاسل الإمداد
تُجرى مراجعة وطنية لتحديد السلع الأساسية الأكثر عرضة للانقطاع أو ارتفاع الأسعار، ومصادر توريدها، ومدة استمرار المخزون التشغيلي، وقدرة الموردين المحليين على التعويض.
ويُراعى في ذلك تنويع الموردين، وتجنب الاعتماد المفرط على دولة أو طريق واحد، وتحسين كفاءة التخزين والنقل، ومراقبة الاحتكار والتلاعب بالأسعار، وتطوير الزراعة المحلية حيث تتوافر الجدوى الاقتصادية والمائية.
أما المخزونات الاستراتيجية، فينبغي تحديدها بحسب أهمية السلعة، وسرعة تلفها، ومدة توريدها، وكلفة تخزينها، ومخاطر تعطل إمدادها، بدلاً من اعتماد رقم واحد لجميع المواد.
ويجب أيضاً اختبار جاهزية المستشفيات والصيدليات وسلاسل توريد الأدوية والمستلزمات الطبية، ووضع بدائل قانونية وفنية للمواد الحيوية التي قد تتأخر إمداداتها.
المحور الرابع: الطاقة والنقل والقدرة المالية
تحتاج الدولة إلى خطة طوارئ للطاقة توازن بين أمن الإمداد وكلفته، وتحدد بدائل تشغيل القطاعات الحيوية عند وقوع نقص أو ارتفاع كبير في الأسعار.
وتشمل الخطة تسريع مشاريع الطاقة المحلية المجدية، وتحسين كفاءة الاستهلاك في المباني والمنشآت العامة، وتقليل الهدر، وتطوير النقل الجماعي، ومراجعة كلف النقل والتوزيع.
وفي الجانب المالي، يجب إعداد تقديرات لتأثير ارتفاع النفط والشحن على الموازنة والقطاع الخاص والأسر، مع تحديد مصادر التمويل الممكنة قبل وقوع الأزمة، وحماية الإنفاق الأساسي على الصحة والتعليم والمياه والحماية الاجتماعية.
ويجب أن تكون التدخلات مؤقتة وموجهة وقابلة للتقييم، وألا تتحول إلى التزامات مالية دائمة لا تتناسب مع قدرة الدولة على تمويلها.
المحور الخامس: الماء والمناخ وحماية الخدمات الأساسية
تُعطى أولوية وطنية لتقليل الفاقد المائي، وصيانة الشبكات، ومراقبة الاعتداءات على المصادر، وتحسين إدارة الطلب، ورفع كفاءة استخدام المياه في الزراعة والصناعة والسياحة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي تعزيز أنظمة الإنذار المبكر بالسيول والفيضانات والجفاف وموجات الحر، وتحديث خرائط المخاطر، وصيانة مجاري الأودية ومرافق تصريف المياه، وإجراء تمارين إخلاء في المواقع الأكثر تعرضاً للخطر.
كما يجب إعداد خطط لاستمرارية عمل محطات المياه والصرف الصحي والمستشفيات والاتصالات ومراكز البيانات، بما في ذلك بدائل الكهرباء والاتصالات والكوادر الفنية وقطع الغيار.
إن الاستثمار في الوقاية والصيانة غالباً ما يكون أقل كلفة من إصلاح الأضرار بعد وقوعها، فضلاً عن أن الخسائر البشرية والاجتماعية لا يمكن اختزالها في حسابات مالية.
المحور السادس: حماية الجبهة الداخلية اقتصادياً واجتماعياً
لا يمكن مطالبة المواطن بالصبر وتحمل الأعباء من دون سياسات تعزز قدرته على الصمود.
لذلك ينبغي توجيه برامج التشغيل والتدريب نحو قطاعات قادرة على خلق فرص عمل حقيقية، مثل الزراعة والصناعات الغذائية والطاقة المتجددة والصيانة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والسياحة المستدامة.
كما يجب حماية المنشآت الصغيرة والمتوسطة من التعثر الناتج عن الصدمات المؤقتة، من خلال أدوات تمويل وضمانات مدروسة، وربط أي مساعدة بالحفاظ على الوظائف والإنتاج حيثما أمكن.
ويجب تحسين استهداف المساعدات الاجتماعية، وتعزيز الشفافية في اختيار المستفيدين، وتوفير قنوات تظلم واضحة، حتى يشعر المواطن بأن الأعباء موزعة بعدالة وأن الموارد المحدودة تصل إلى من يحتاجها فعلاً.
فكلما اتسعت البطالة والفجوة المعيشية وضعفت الثقة، أصبحت إدارة الأزمات أصعب. أما عندما يشعر المواطن بأن الدولة تسمعه وتعامله بإنصاف وتشرح قراراتها، فإن قدرته على التعاون والتحمل ترتفع.
المحور السابع: الأمن الوطني وحماية الحدود والاستعداد الإنساني
يجب أن تستمر القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في أداء واجباتها ضمن مسؤولياتها القانونية والمهنية، مع تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية بحماية الحدود ومكافحة التهريب وحماية المنشآت الحيوية والاستجابة للطوارئ.
وفي الملف الفلسطيني، ينبغي الجمع بين الحزم السياسي والدبلوماسي في رفض التهجير، والتحرك القانوني والإنساني، والاستعداد المدني لأي تطورات طارئة، من دون تحويل الاحتمالات إلى مبرر لإجراءات غير مدروسة أو إثارة الذعر.
كما ينبغي دعم جاهزية الدفاع المدني والإسعاف والمستشفيات والبلديات، وتحديث خطط التعامل مع الحوادث الكبرى، وتحديد مراكز الإيواء والخدمات البديلة عند الحاجة، وإجراء تمارين مشتركة دورية.
إن الأمن الوطني منظومة متكاملة، تبدأ بالردع وحماية الحدود، لكنها تشمل أيضاً استمرار الخدمات، واستقرار الاقتصاد، وثقة المجتمع، والقدرة على احتواء الأزمات الإنسانية.
المحور الثامن: الشفافية والانضباط ومكافحة الاستغلال
في الأزمات، تزداد أهمية الرقابة على الأسواق، ومتابعة توافر السلع، ومنع الاحتكار والتلاعب، ومكافحة استغلال المخاوف لتحقيق أرباح غير مشروعة.
كما يجب نشر المعلومات الأساسية عن توافر السلع والخدمات، وتوضيح القرارات الاقتصادية وأسبابها، وتحديد الجهات المسؤولة عن الاستجابة، وإعلان نتائج التقييم بعد كل تمرين أو حادثة كبيرة.
وفي المقابل، ينبغي حماية حق المواطنين في السؤال والنقد والمساءلة المسؤولة، لأن الثقة لا تُبنى بالمعلومات المطمئنة وحدها، بل بالمعلومات الدقيقة والقرارات القابلة للتفسير والتصحيح.
المحور التاسع: جدول زمني للتنفيذ والقياس
حتى لا تتحول الخطة إلى شعارات، أقترح توزيع العمل على مراحل محددة:
خلال أول 30 يوماً: تشكيل فريق وطني لتقدير المخاطر، وحصر نقاط الضعف في الطاقة والمياه والغذاء والدواء والنقل والاتصالات، وتحديد الجهات المسؤولة عن كل ملف.
خلال 90 يوماً: استكمال سيناريوهات الطوارئ، وتحديد مستويات المخزون التشغيلي، ومراجعة العقود والموردين والبدائل، وإعداد تقديرات الكلفة المالية، وتنفيذ تمارين أولية لاستمرارية الخدمات.
خلال ستة أشهر: إجراء تمرين وطني مشترك يحاكي اضطراباً متزامناً في الطاقة والشحن والمياه أو الاتصالات، وقياس قدرة المؤسسات على الاستجابة، ومعالجة الثغرات التي يكشفها التمرين.
خلال عام: إصدار تقرير وطني عن الجاهزية والمرونة، يتضمن مؤشرات قابلة للقياس بشأن استمرارية الخدمات الحيوية، والفاقد المائي، ومرونة سلاسل الإمداد، وسرعة الاستجابة، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، وكلفة التدخلات ونتائجها.
ويجب أن تتناسب الأهداف الرقمية مع خط أساس موثق وموارد متاحة، وألا تُعلن أرقام للإنجاز قبل قياسها والتحقق منها.
سابعاً: ماذا يستطيع المواطن أن يفعل من اليوم؟
لا ينبغي أن ينتظر الأردني صدور خطة حكومية شاملة حتى يبدأ بالاستعداد. فهناك خطوات عملية يمكن لكل أسرة اتخاذها من دون كلفة كبيرة:
1. مراجعة المصروفات الشهرية وتقليل الالتزامات الاستهلاكية غير الضرورية، وبناء احتياطي مالي تدريجي وفق القدرة.
2. تنظيم الاحتياجات المنزلية الأساسية بصورة معتدلة، وتجنب التخزين المبالغ فيه أو شراء ما لا تحتاج إليه الأسرة.
3. ترشيد استهلاك الماء والكهرباء والوقود، وإصلاح التسربات والهدر، وصيانة وسائل النقل والأجهزة الأساسية.
4. معرفة مصادر الأخبار الرسمية، وعدم إعادة نشر معلومات غير موثقة عن الحرب أو الحدود أو أسعار السلع أو توافرها.
5. الاتفاق بين أفراد الأسرة على وسيلة تواصل وخطة بسيطة للطوارئ، مع مراعاة احتياجات الأطفال وكبار السن والمرضى.
6. تنمية مهارات عملية قابلة للاستفادة في سوق العمل، وتبادل الخبرات بين أفراد المجتمع، وتشجيع الإنتاج المحلي والتكافل المنظم.
7. المحافظة على الروابط الاجتماعية، ومساعدة الأسر المتضررة ضمن الإمكانات، وعدم استغلال حاجات الناس أو مخاوفهم.
إن الأسرة المستعدة ليست الأسرة التي تملك أموالاً كثيرة بالضرورة، بل الأسرة التي تعرف أولوياتها، وتحسن إدارة مواردها، وتملك خطة معقولة للتعامل مع الظروف الطارئة.
ثامناً: ما الذي نحتاجه فعلاً؟
نحتاج إلى دولة تستعد ولا ترتبك، ومؤسسات تتعاون ولا تتنافس على المسؤولية، واقتصاد يقلل الاعتماد على المسارات الهشة، ومجتمع يثق بالمعلومات الموثوقة ولا ينساق وراء الشائعات، ومواطن يدرك أن المسؤولية الوطنية لا تبدأ عند وقوع الأزمة، بل قبلها بوقت طويل.
ونحتاج أيضاً إلى مراجعة طريقة التفكير في الأمن الوطني، بحيث لا يقتصر على حماية الحدود من التهديدات الخارجية، بل يشمل أمن الماء والغذاء والطاقة والعمل والصحة والمعلومات واستمرار الخدمات.
ولا يعني ذلك أن نحمّل الدولة وحدها مسؤولية كل شيء، أو أن نلقي العبء على المواطنين، بل أن تتوزع الأدوار بوضوح وعدالة، وأن تكون لدى كل مؤسسة خطة، ولكل خطة مسؤول، ولكل مسؤول مؤشرات أداء، ولكل إجراء كلفة معلومة ونتيجة قابلة للتقييم.
إن أقوى جبهة داخلية هي التي يشعر فيها المواطن أن بلده يستعد بجدية، وأن المعلومات تصل إليه بوضوح، وأن الأعباء توزع بعدالة، وأن مؤسسات الدولة تعمل بتنسيق، وأن المستقبل لا يُترك للمصادفة.
الخلاصة: الاستعداد ليس تشاؤماً، بل مسؤولية وطنية
قد تنحسر المواجهات الإقليمية، وقد تتراجع أسعار الطاقة، وقد تُفتح مسارات التفاوض وتعود التجارة إلى طبيعتها. وقد يحدث العكس، فتطول المواجهات وتتسع آثارها الاقتصادية والإنسانية. وليس في وسع أحد أن يجزم اليوم بأي مسار ستسلكه المنطقة.
لكن هناك حقيقة لا تتغير: الدول التي تستعد مبكراً تكون أقدر على حماية مصالحها ومواطنيها، والدول التي تؤجل معالجة نقاط ضعفها تجد نفسها أمام خيارات أصعب وكلف أعلى عندما تقع الأزمة.
والأردن، بما يملكه من مؤسسات وخبرات وعلاقات دولية ومجتمع قادر على التعاون، يستطيع تعزيز قدرته على مواجهة المستقبل، شريطة تحويل هذه المقومات إلى خطط عملية وتمويل مدروس ومساءلة واضحة.
فلنبدأ من الآن، لا بالخوف من الحرب، بل بالاستعداد لاحتمالاتها؛ ولا بالخوف من الغلاء، بل بتقوية الاقتصاد وحماية الفئات الأكثر تضرراً؛ ولا بالقلق من شح المياه، بل بالإدارة الرشيدة والاستثمار في الحلول؛ ولا بتوقع التهجير، بل بتعزيز الموقف الوطني والدولي الرافض له والاستعداد المسؤول لأي طارئ.
الجاهزية النفسية تمنع الخوف من السيطرة علينا، والجاهزية المادية تمنع الصدمة من شل حياتنا، والعدالة الاجتماعية تعزز ثقة المواطن بدولته، والتخطيط العلمي يحول المخاطر إلى احتمالات يمكن إدارتها.
إن الاستعداد للقادم ليس إعلاناً بأن الأسوأ سيحدث، بل قرار وطني بألا نفاجأ به إن حدث.
فالأوطان لا تُحمى فقط بما تملكه من قوة في لحظة الخطر، بل بما تبنيه من مناعة قبل وصول الخطر.
الأردن يستحق أن نستعد له اليوم، لا أن نندم غداً على ما كان بإمكاننا فعله ولم نفعل.