مصر تدخل معادلة اليمن .. ساعة الحسم العربي أم بداية إعادة رسم خرائط النفوذ؟
محمد مطلب المجالي
19-10-2026 10:49 AM
لم يعد المشهد في اليمن شأناً داخلياً، ولم تعد التطورات المحيطة به مجرد جولة جديدة من الصراع على النفوذ. نحن أمام لحظة سياسية حساسة قد تحدد ملامح التوازنات القادمة في البحر الأحمر والخليج العربي، وتضع الأمن القومي العربي أمام اختبار حقيقي: إما أن تتعامل الدول العربية مع التهديدات برؤية استراتيجية موحدة، وإما أن تترك المجال مفتوحاً أمام القوى الإقليمية لتوسيع نفوذها على حساب استقرار المنطقة.
وفي قلب هذه المعادلة تقف مصر، بثقلها السياسي والعسكري وموقعها الاستراتيجي، وبما تمثله قناة السويس والبحر الأحمر من أهمية مباشرة لأمنها الوطني واقتصادها. ولذلك، فإن أي تحرك مصري باتجاه اليمن لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تضامن سياسي مع دولة عربية، بل بوصفه موقفاً قد تكون له تداعيات على مستقبل الأمن الإقليمي بأكمله.
إن الموقف السياسي الذي أراه ضرورياً هو دعم أي تحرك عربي يحمي السعودية، ويصون أمن مصر، ويؤمّن الملاحة الدولية، ويمنع تحويل اليمن إلى منصة لتهديد الدول العربية. لكن هذا الدعم يجب أن يقترن بأهداف معلنة، وسقف واضح للتدخل، واستراتيجية تمنع تحول الدفاع المشروع عن الأمن القومي إلى حرب مفتوحة تستنزف الجيوش وتدفع الشعوب ثمنها.
فالأمن السعودي ليس شأناً هامشياً بالنسبة إلى الأمن العربي، وأمن البحر الأحمر ليس قضية تخص دولة واحدة. إن استهداف المنشآت الحيوية أو تهديد الممرات البحرية ينعكس على التجارة والطاقة والاقتصادات العربية، ويجعل التنسيق بين القاهرة والرياض وسائر العواصم المعنية ضرورة استراتيجية، لا مجرد خيار دبلوماسي.
لكن وضوح الموقف العربي يقتضي، في الوقت نفسه، التمييز بين مواجهة التهديدات وبين توسيع دائرة الحرب. فالتدخل العسكري لا يُقاس بحجم القوات التي تدخل الميدان، وإنما بقدرته على تحقيق أهداف محددة، ومنع تجدد الصراع، وتهيئة الظروف لتسوية سياسية قابلة للاستمرار. وأي عملية لا تملك تصوراً واضحاً لمرحلة ما بعد القتال قد تحقق مكاسب ميدانية مؤقتة، لكنها تترك أبواب الأزمة مفتوحة أمام جولات جديدة من العنف.
أما إيران، فإن أي دور عسكري مباشر لها أو دعم يثبت أنه يسهم في تهديد أمن الدول العربية، يجب أن يُواجَه بموقف سياسي واضح، وبوسائل ردع متناسبة مع طبيعة التهديد. غير أن الحكمة الاستراتيجية تقتضي ألا تتحول المواجهة في اليمن إلى حرب إقليمية شاملة بين القاهرة والرياض من جهة، وطهران من جهة أخرى؛ فمثل هذا التصعيد لن يقتصر أثره على أطرافه المباشرة، بل قد يطال استقرار المنطقة واقتصاداتها وأمن شعوبها.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس شعارات التصعيد، بل بناء معادلة ردع عربية واضحة: لا تهديد لأمن الدول العربية، ولا استباحة للممرات البحرية، ولا فرض للوقائع بالقوة، وفي المقابل، لا حرب مفتوحة بلا أهداف سياسية قابلة للتحقيق، ولا تجاهل لحق الشعب اليمني في تقرير مستقبله بعيداً عن الهيمنة والتدخلات الخارجية.
ويفرض التاريخ المصري في اليمن درساً لا يجوز تجاهله. فقد أظهرت تجربة ستينيات القرن الماضي حجم الأعباء التي قد يفرضها الانخراط البري الطويل في صراع داخلي معقد. ولذلك، فإن أي قرار مصري جديد ينبغي أن يستند إلى حسابات دقيقة للمصالح والمخاطر، وأن يحدد بوضوح طبيعة المهمة ومدتها وغاياتها، وأن يضمن وجود مسار سياسي يواكب أي تحرك عسكري.
سياسياً، أنا مع موقف عربي حازم في حماية الأمن القومي، ومع تنسيق مصري سعودي فاعل، ومع ردع أي تهديد حقيقي للملاحة والدول العربية؛ لكنني لست مع حرب مفتوحة تتحول فيها اليمن إلى ساحة استنزاف جديدة، أو تُترك فيها التسوية السياسية رهينة حسابات القوى المتصارعة. فالحزم لا يعني الاندفاع، والقوة لا تعني غياب الحكمة، والتحالفات لا تكتسب قيمتها إلا عندما تقود إلى أمن مستدام، لا إلى صراع أطول.
وهل يمكن أن يؤدي دخول مصر إلى تغيير خريطة المنطقة؟ نعم، قد يسهم في تغيير موازين الردع والتحالفات إذا تحول إلى مشاركة عسكرية واسعة ومؤثرة. لكنه لن يغيّر الخريطة السياسية بمجرد الإعلان عن موقف أو اتخاذ إجراء محدود. فإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي ترتبط بنتائج الميدان، وقدرة الأطراف على تثبيت المكاسب، ومواقف القوى الدولية، ومستقبل العلاقة بين الدول العربية وإيران.
إن اللحظة الراهنة تحتاج إلى قرار عربي يعرف ما الذي يريد من الحرب، وما الذي يريد من السلام، وأين تنتهي الضرورة العسكرية وتبدأ مسؤولية السياسة. فليس الانتصار أن تتقدم الجيوش فحسب، بل أن تتراجع الأخطار، وتُصان السيادة، وتُحمى المصالح، ويعود الاستقرار إلى الشعوب.
وفي نهاية المطاف، فإن الاختبار الحقيقي لمصر وللنظام العربي ليس في القدرة على دخول المعركة، بل في القدرة على منع تحولها إلى حرب بلا نهاية. فإذا كان التحرك المصري جزءاً من استراتيجية عربية واضحة تحمي الأمن وتردع التهديدات وتفتح الطريق أمام حل سياسي، فقد يسهم في إعادة ضبط موازين المنطقة. أما إذا غابت الأهداف وحدود التدخل، فقد تتحول اليمن مرة أخرى إلى ساحة تستنزف الجميع، بينما تتسع خرائط النفوذ على حساب استقرار العرب ومستقبلهم.