اصطناع الأزمة .. والبحث عن الحل
محمد مطلب المجالي
20-10-2026 05:04 PM
حين تتحول الأخطاء إلى أزمات، والتأخير إلى سياسة، يصبح احتواء المشكلة إنجازًا يستحق التصفيق، وكأن المسؤول لم يكن حاضرًا منذ البداية.
في السياسة، ثمة أزمات تفرضها الظروف، وأخرى يصنعها سوء التخطيط، وثالثة تكبر لأن أحدًا لم يستعجل حلها. لكن المفارقة الساخرة تبدأ حين تُترك المشكلة حتى تستفحل، ثم يستنفر المسؤولون، وتُعقد الاجتماعات، وتُشكّل اللجان، وتتوالى التصريحات، ليخرج إلينا من يعلن أن الأمور تحت السيطرة، وأن الحل قادم، وأن الجهود تُبذل على قدم وساق.
وهكذا تبدأ فصول المسرحية؛ مشكلة كان يمكن احتواؤها بقرار مبكر، تتحول إلى قضية رأي عام، ثم إلى ملف عاجل، ثم إلى فرصة لاستعراض الجاهزية والاهتمام. وبعد طول انتظار، يأتي الحل، فيُقدَّم للمواطن باعتباره إنجازًا استثنائيًا، لا معالجة متأخرة لمشكلة كان بالإمكان منعها أو الحد من آثارها.
يا لها من بطولة سياسية! أن تترك الحريق حتى يمتد، ثم تأتي بطفاية الحريق، وتنتظر من الناس أن يصفقوا لك لأنك حضرت.
وليس المقصود أن كل أزمة مصطنعة، أو أن كل تأخير يقف خلفه سوء نية؛ فالدول تواجه تحديات حقيقية، والقرارات ليست دائمًا سهلة. لكن من حق المواطن أن يسأل: لماذا تأخر القرار؟ ولماذا لم تُسمع التحذيرات في وقتها؟ ومن يتحمل كلفة الانتظار؟ وهل حوسب من تسبب في المشكلة، أم أن المسؤولية تنتهي بمجرد الإعلان عن حلها؟
إن أخطر ما في بعض الأزمات ليس وقوعها فحسب، بل تحويلها إلى أسلوب في إدارة الشأن العام؛ تتراجع الوقاية، ويغيب الاستعداد، وتُهمل المؤشرات المبكرة، ثم تُستدعى الحلول بعد ارتفاع الكلفة. وعندها يصبح تشكيل لجنة أسهل من اتخاذ قرار، وإصدار بيان أيسر من تقديم إجابة، وتبرير التأخير أكثر حضورًا من محاسبة المتسبب فيه.
والأكثر غرابة أن بعض المسؤولين يجيدون التعامل مع الكاميرات أكثر من تعاملهم مع جذور المشكلة؛ يشرحون، ويوضحون، ويطمئنون، ويعدون، حتى يكاد المواطن ينسى السؤال الأصلي وسط وفرة الإجابات. أما إذا انتهت الأزمة، فيُطوى الملف أحيانًا من دون مراجعة جادة، وتبقى الأسباب قائمة، تنتظر مناسبة جديدة لتعود بثوب مختلف.
وهنا تكمن المفارقة: قد يتغير المسؤول، وتتبدل العناوين، وتتجدد التصريحات، لكن المشكلة نفسها تعود، وكأننا أمام مسلسل طويل لا تنقصه الحلقات، بل ينقصه قرار يضع نهاية حقيقية له.
إن إدارة الدولة لا تُقاس بعدد الاجتماعات، ولا بحجم البيانات، ولا بعدد المسؤولين الذين يظهرون عند اشتداد الأزمة، بل بقدرة المؤسسات على توقع المشكلات، والاستجابة المبكرة لها، والمصارحة بشأن أسبابها، ومحاسبة من قصّر في أداء واجبه.
فالمواطن لا يريد بطلًا يظهر بعد وقوع الضرر، بل مسؤولًا يمنع الضرر متى استطاع، وإذا أخفق فلا يختبئ خلف الكلمات، ولا يحمّل الظروف وحدها مسؤولية كل شيء، بل يضع الحقائق أمام الناس ويتحمل نصيبه من المسؤولية.
فالإنجاز الحقيقي ليس أن تنجح في إطفاء الحريق، بل أن تمتلك من الحكمة والاستعداد ما يمنع اشتعاله. وليس الإصلاح أن تعالج النتائج وتترك الأسباب، ولا البطولة أن تعيد الأمور إلى ما كان ينبغي أن تكون عليه منذ البداية.
أما أن نصنع الأزمة بالإهمال، ثم نحتفل باحتوائها، ونمنح أنفسنا شهادات النجاح، فذلك لا يصنع ثقة، ولا يبني دولة، ولا يقنع مواطنًا أنه شريك في القرار، لا مجرد متفرج يدفع ثمن المشهد.