من كيرك إلى فوينتس .. «ماغا» تأكل أبناءها
رجا طلب
21-10-2026 05:02 PM
لم يعد الصراع داخل الحزب الجمهوري الأميركي خلافاً على مرشح أو برنامج انتخابي، ولا مجرد تباينات بين المحافظين التقليديين وأنصار دونالد ترامب، ما يجري أعمق من ذلك؛ إنه صراع على هوية اليمين الأميركي نفسه وعلى تعريف شعار «أميركا أولاً»، وعلى السؤال الذي بات يطارد حركة «ماغا» الا وهو هل جاءت «الترامبية» لتحرير القرار الأميركي من أعباء الخارج، أم لإعادة إنتاج السياسة نفسها بأسماء وشعارات جديدة؟
كان اغتيال الناشط اليميني تشارلي كيرك في سبتمبر/أيلول 2025 لحظة مفصلية في هذا المسار، فقد مثّل كيرك مؤسس منظمة «تيرنينغ بوينت يو إس إيه»، جسراً بين القاعدة الشبابية المحافظة والمؤسسة الجمهورية، وامتلك قدرة على جمع تيارات متباينة تحت مظلة واحدة، لكن غيابه لم يوحّد الحركة كما كان مأمولاً، بل أطلق صراعاً على إرثه، وكشف خلافات كانت تتراكم تحت سطح الولاء لترمب، والأهم أن إسرائيل تحولت إلى أحد أكثر الملفات تفجيراً لهذه الخلافات، وفي قلب هذا التحول يقف تاكر كارلسون الإعلامي الذي لم يعد مجرد صوت مؤثر في اليمين، بل أصبح أحد أبرز رموز التمرد على بعض ثوابته القديمة، فاعتراضه على انخراط واشنطن في الحرب ضد إيران، وانتقاده العلاقة الأميركية الإسرائيلية، يعكسان اتجاهاً يرى أن التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل قد يتعارض مع المصالح الأميركية ذاتها، وفي يونيو/حزيران 2026، ذهب كارلسون أبعد من ذلك بإعلانه أنه لن يدعم الحزب الجمهوري بصورته الحالية، معتبراً أنه خان ناخبيه حين قدّم أمن إسرائيل على المصالح الأميركية.
لكن التحول الأكثر دلالة جاء مع «نيك فوينتس» الناشط القومي المعروف برفضه لفكرة معاداة السامية وإنكاره للمحرقة وتبنيه لخطاب متطرف، حين منحه تاكر كارلسون ظهورا مطولا على منصته في أكتوبر/تشرين الأول 2025 ووفر له مساحة غير مسبوقة لتوسيع حضوره، مما أثار عاصفة داخل المعسكر المحافظ.
لم تكن القضية مجرد استضافة إعلامية مثيرة للجدل، بل كانت حول الحدود التي باتت تفصل بين اليمين الشعبوي والتيارات المتطرفة، وعن استعداد بعض المؤثرين لتجاوز تلك الحدود باسم حرية التعبير أو مواجهة المؤسسة التقليدية، هنا ينبغي وحسب الجيل الصاعد والشبابي في «ماغا» التمييز بين نقد إسرائيل، وهو نقاش سياسي مشروع، وبين معاداة اليهود والترويج لنظريات المؤامرة العنصرية، فليس كل معارض للدعم الأميركي لإسرائيل معادياً للسامية، كما أن رفض خطاب الكراهية لا يقتضي تحصين السياسة الإسرائيلية من النقد، الخلط المتعمد بين الأمرين يخدم المتطرفين من جهة، ويمنح أنصار إسرائيل فرصة لإسكات نقاش متصاعد داخل المجتمع الأميركي من جهة أخرى.
أما العامل الخارجي، فقد بات أكثر تأثيراً بفعل الحرب على إيران وتكاليف الانخراط العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، فجيل الشباب في الحزب الجمهوري بات يسأل لماذا ينبغي لواشنطن أن تتحمل مخاطر الحروب وتكاليفها، وبخاصة تلك التي صممت للدفاع عن إسرائيل، إذا كانت الأولوية المعلنة هي الاقتصاد والهجرة والحدود وأوضاع الأميركيين، وتكشف بيانات مركز «بيو» للأبحاث المنشورة في أبريل/نيسان 2026 أن 57% من الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقابل أغلبية إيجابية لدى الجمهوريين الأكبر سناً، إنها فجوة «جيلية» لا يمكن التعامل معها باعتبارها ضجيجاً عابراً سببها العلاقة مع إسرائيل فقط، فهناك غضب من تعثر الوعود الاقتصادية، وشكوك في النخب والمؤسسات، وصراع على النفوذ الإعلامي، وتنافس مبكر على مرحلة ما بعد ترمب.
السؤال الآن لم يعد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيبقى موحداً، بل أي حزب سيخرج من هذه المواجهة: حزب محافظ تقليدي، أم حركة قومية انعزالية، أم ائتلاف متنازع تتصارع داخله تيارات لا يجمعها سوى رفض الخصوم؟
قد لا يكون «فوينتس» هو مستقبل الجمهوريين، لكنه يكشف اتساع المساحة التي باتت متاحة للخطاب المتطرف، وقد لا يتمكن كارلسون من قيادة بديل سياسي، لكنه يعبّر عن مأزق حقيقي في وعد «أميركا أولاً»، أما إسرائيل، فقد أصبحت اختباراً صعباً لهذا الوعد: فهل تستطيع واشنطن الفصل بين تحالفاتها الخارجية ومصالحها الداخلية، أم أن الخلاف حول هذا السؤال سيواصل تفكيك اليمين من داخله؟
في السياسة، لا تسقط التحالفات دائماً بفعل هزيمة انتخابية؛ أحياناً تبدأ نهايتها حين يكتشف شركاؤها أنهم لم يعودوا يتفقون على الغاية التي اجتمعوا من أجلها.