الإسكندرية تستعيد بريقها .. مشروع عمراني يصنع مدينة لا تُنسى
د.عبدالفتاح طوقان
22-10-2026 07:08 PM
تستعد الإسكندرية، عروس البحر المتوسط، لمرحلة جديدة من التطوير، والتوسع المنضبط شرقا وغربا مع الإعلان عن اتفاق بين الدولة ومجموعة طلعت مصطفى لتنفيذ أربعة مشروعات كبرى، من بينها مشروع عمراني متكامل في قلب المدينة على مساحة "١١٫٣ مليون متر مربع". ويعكس المشروع توجهاً نحو جذب الاستثمارات وتعزيز التنمية، لكنه يفتح أيضاً سؤالاً أساسياً: كيف يمكن أن يضيف هذا التطوير إلى شخصية الإسكندرية وجمالها، لا إلى عمرانها فحسب؟
تأسست الإسكندرية عام ٣٣١ قبل الميلاد، وغدت عبر القرون مركزاً للتجارة والعلم والثقافة، وبوابة مصر على البحر المتوسط. وازدهرت فيها جاليات متعددة، من اليونانيين والإيطاليين والفرنسيين وغيرهم، وأسهم تنوعها في تشكيل طابعها الكوزموبوليتيني. وخلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت المدينة ملتقى لمصريين وأجانب من ثقافات وديانات مختلفة، تركوا آثاراً واضحة في حياتها الاجتماعية والثقافية والعمرانية.
ولم يقتصر أثر هذه الجاليات على تنوع السكان؛ فقد شاركت في تشكيل النسيج المعماري الثري للمدينة. وتجاورت في شوارع الإسكندرية مبانٍ ذات ملامح متوسطية وأوروبية ومحلية، من عمارات سكنية وشرفات واسعة إلى مبانٍ عامة ومسارح ودور سينما. وأسهم هذا التعدد في صنع مشهد عمراني لا يقوم على طراز واحد، بل على حوار بين ثقافات مختلفة، منح المدينة جانباً مهماً من تفردها وجاذبيتها.
ويبلغ عدد سكان محافظة الإسكندرية نحو ستة ملايين نسمة تقريباً، ما يجعل تحسين السكن والنقل والخدمات وفرص العمل من الأولويات. وتؤكد توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي أهمية أن تكون التنمية العمرانية شاملة، وأن ترتبط باحتياجات المواطنين؛ ومنها التوجيه بالتعاون لإنشاء ٢٠٠ ألف وحدة سكنية للإيجارًبما يوسع خيارات السكن ويعزز البعد الاجتماعي للمشروعات.
لكن المشروع المنتظر لا ينبغي أن يُختزل في كونه مشروعاً تجارياً عقارياً هدفه الربح المادي. فحجمه وموقعه يمنحانه فرصة لصناعة وجهة عمرانية مميزة، تضيف إلى قيمة الإسكندرية وجمالها، وتحترم تاريخها وعلاقتها بالبحر.
وهذا يتطلب أن تكون "العمارة والفنون والثقافة جزءاً أصيلاً من التخطيط" لا إضافات تجميلية تأتي بعد اكتمال البناء وان تكون شبكات الطرق و المياه و المجاري و تصريف الأمطار والكهرباء والهاتف سابقة الابنية وفي غاية الدقة .
ومن المهم أن يحظى المشروع باهتمام كبار المعماريين والمخططين الدوليين الذين أسهموا في تطوير وتصميم مدن ووجهات عالمية داخل المدن، مع الاستفادة من خبراتهم بما يلائم شخصية الإسكندرية واحتياجات أهلها. ومن واقع تجربة العمل مستشاراً في «سما دبي»، الذراع الاستثماري والتطوير العقاري لإمارة دبي، شاركتُ في تطوير وتصميم مشروعات في دبي و ١٢ مدينة عالمية بقيمة إجمالية تجاوزت ١٠٠ مليار دولار بتوجيهات ورؤى سمو الشيخ محمد بن راشد المكتوم وتؤكد هذه التجربة أن المشروعات الكبرى تنجح حين تجمع بين الرؤية العمرانية، والجدوى الاقتصادية، والهوية المحلية، وجودة الحياة.
ويمكن للمشروع أن يدعم اقتصاد الإسكندرية عبر جذب الاستثمارات وخلق فرص عمل في البناء والتجارة والخدمات والسياحة. كما يمكنه تحسين الحياة الاجتماعية إذا تضمن مساكن متنوعة، وخدمات متاحة، ومساحات عامة آمنة، وربطاً جيداً بوسائل النقل والمرافق. وينبغي أن تمتد منافعه إلى الأحياء المحيطة، وأن تُصان المباني التراثية والشواطئ، مع الاهتمام بتقليل الازدحام والتلوث.
ولكي تستعيد الإسكندرية مكانتها وجهةً جاذبة للزوار والاستثمار والثقافة، تحتاج إلى رؤية متكاملة تنعش مناطقها التاريخية والسياحية، وتدعم الفنون والأنشطة الثقافية، وتحسن النقل والخدمات، وتحمي طابعها الساحلي والمعماري. فالإسكندرية العالمية ليست مجرد أبراج ومبانٍ حديثة؛ إنها مدينة تمنح سكانها حياة أفضل، وتحتفي بتنوعها، وتحافظ على روحها وهي تتطلع إلى المستقبل.
إن نجاح المشروع لن يُقاس بمساحته أو حجم استثماراته وحدهما، بل بقدرته على أن يصبح إضافة حقيقية إلى الإسكندرية: مشروعاً يخلق قيمة اقتصادية، ويرتقي بحياة الناس، ويترك بصمة معمارية وفنية تليق بتاريخ عروس البحر المتوسط.