الإقتصاد الأردني .. قراءة تتجاوز الأرقام ..
محمد حسن التل
21-10-2026 08:32 PM
تفرض التحولات الإقتصادية التي شهدها الأردن خلال العامين الأخيرين قراءة تتجاوز الأرقام المجردة إلى الظروف التي تحققت فيها، وما تنطوي عليه من فرص وتحديات. ففي وقت لا تزال فيه المنطقة تعيش على وقع اضطرابات سياسية واقتصادية متلاحقة، استطاع الاقتصاد الأردني المحافظة على مسار نمو تدريجي، ترافَق مع تحسن في مؤشرات الاستثمار والصادرات، وتوجه حكومي نحو زيادة الإنفاق على المشروعات التنموية، وهو ما يفتح المجال أمام مرحلة جديدة تتوقف نتائجها على قدرة السياسات الاقتصادية على تحقيق أثر مستدام.
منذ تشكيل حكومة الدكتور جعفر حسان، احتلت الملفات الإقتصادية موقعاً متقدماً في أولويات العمل الحكومي، مع التركيز على تسريع تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوسيع النشاط الإنتاجي، وقد سجل الاقتصاد الأردني نمواً حقيقياً بلغ نحو 2.8% خلال عام 2025، فيما تشير التقديرات إلى بلوغه 2.9% في عام 2026 و هذه المعدلات أهميتها تكمن في استمرار النمو ضمن بيئة إقليمية مضطربة، وتؤسس لتحسن تدريجي خلال السنوات المقبلة.
لعل حركة الاستثمار والتجارة الخارجية المثال الأكثر وضوحًا، فقد ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 27.7% خلال عام 2025، فيما سجلت الصادرات الوطنية نمواً بنسبة 9.9%، لتصل قيمتها إلى نحو 9.624 مليار دينار، مقارنة بمعدل نمو بلغ 6.2% في عام 2024، إذ يكتسب ارتفاع الصادرات أهمية خاصة بالنسبة إلى اقتصاد محدود الموارد كالأردن، يعتمد في جانب من قدرته على التوسع على الوصول إلى الأسواق الخارجية، وزيادة تنافسية صناعاته الوطنية، واستقطاب استثمارات قادرة على توفير فرص عمل جديدة.
في هذا الصدد، تشير بيانات وزارة الاستثمار للنصف الأول من عام 2026 إلى استفادة 327 مشروعاً من الحوافز والإعفاءات الاستثمارية، بقيمة استثمارات مستقبلية متوقعة تبلغ 711.2 مليون دينار ، كما ارتفع إجمالي الاستثمارات في المناطق التنموية بنسبة 18.79% ليصل إلى نحو 6.9 مليار دينار، واستقطبت هذه المناطق 46 مشروعاً جديداً باستثمارات متوقعة تبلغ 402 مليون دينار، مقارنة بـ27 مشروعاً باستثمارات تقارب 60 مليون دينار خلال الفترة المقابلة من عام 2025.
تكشف المقارنة كذلك بين الفترتين عن توسع ملحوظ في النشاط الاستثماري، وإن كانت النتائج الاقتصادية لهذه المشروعات ستتضح بصورة أكبر مع بدء تنفيذها ودخولها مراحل الإنتاج الفعلي.
على مستوى السياسة المالية، حملت موازنة عام 2026 توجهاً نحو زيادة الإنفاق الاستثماري، إذ بلغت مخصصات النفقات الرأسمالية نحو 1.6 مليار دينار، بارتفاع نسبته 16.8% عن التقديرات المعدلة لعام 2025، منها 396 مليون دينار خُصصت لمشروعات رؤية التحديث الاقتصادي.
تبرز أهمية هذا التوجه في ارتباطه بقطاعات حيوية، تشمل المياه والطاقة والنقل، إلى جانب برامج الحماية الاجتماعية ودعم البلديات، بما يتيح توجيه جانب من الموارد العامة نحو مشروعات وخدمات تحتاج إليها المحافظات.
كما تحظى مشروعات البنية التحتية الكبرى بمكانة خاصة ضمن هذا المسار، ولا سيما مشروع الناقل الوطني للمياه ومشروعات السكك الحديدية، فهذه المسألة تتصل باحتياجات اقتصادية ممتدة، تتعلق بتأمين الموارد المائية، وخفض كلف النقل، وتحسين قدرة القطاعات الإنتاجية على المنافسة. ومن شأن التقدم في تنفيذ هذه المشروعات أن يخفف بعض القيود الهيكلية التي يواجهها الاقتصاد الأردني، وأن يوسع مجالات الاستثمار في قطاعات ترتبط بصورة مباشرة بالنشاط الصناعي والتجاري.
إن ما تحقق خلال عامين من عمر حكومة الدكتور جعفر حسان حتى الآن يستحق النظر إليه باعتباره تقدماً في كثير من المؤشرات الأساسية، لا حكماً نهائياً على نتائج السياسات الاقتصادية. فالارتفاع في الاستثمارات والصادرات، وزيادة المخصصات الرأسمالية، عوامل مشجعة، ومع مرور الوقت تتضح انعكاساتها أكثر على التشغيل والدخل ومستوى الخدمات.
ولعل التحدي الذي يواجه الحكومة في المرحلة المقبلة يتمثل في المحافظة على هذا التحسن وتوسيع نطاقه، بحيث لا يكون النمو محصوراً في قطاعات أو مناطق بعينها وهذا ما تعمل عليه الحكومة لإشعار المواطنيين، بالقيمة الفعلية للسياسات الاقتصادية وبقدرتها على إحداث تحسن مستمر في الإنتاج وفرص العمل ومستويات المعيشة، وبمدى ما تتركه من أثر يتجاوز التوقعات..