الأردن و استراتيجية التحديث الحزبي وتحديات الأمن القومي
السفير د. موفق العجلوني
23-10-2026 11:34 AM
تمر المملكةً اليوم بمنعطف تاريخي بالغ الأهمية، يرسم فيه ملامح مستقبله السياسي والاقتصادي، ويؤكد من خلاله قدرته العالية على التكيف والمنعة في بيئة إقليمية مضطربة. ولعلّ المتتبع للمشهد الأردني الراهن، يلمس بوضوح وجود مسارين متوازيين يشكلان جوهر الحراك الوطني: مسار التحديث السياسي الداخلي من جهة، ومسار صون الأمن القومي والدفاع عن الحدود والسيادة من جهة أخرى.
فعلى الصعيد الداخلي، يعيش الأردن تحولاً غير مسبوق في بنيته السياسية، متجاوزاً مرحلة التنظير والتشريع إلى مرحلة التطبيق الفعلي والممارسة. ويتجلى هذا التحول في المنهجية التي تتبعها الحكومة الأردنية برئاسة دولة الدكتور جعفر حسان في إدارة علاقتها مع السلطة التشريعية؛ حيث تشهد الساحة السياسية مشاورات مكثفة ومستمرة مع الكتل البرلمانية والأحزاب السياسية الكبرى. إن هذا النهج لا يهدف فقط إلى بناء توافقات وطنية حول التشريعات القادمة، بل يمهد الطريق -لأول مرة في تاريخ المملكة الحديث- لادماج الشخصيات الحزبية والبرامجية في الفريق الوزاري، مما يمثل خطوة متقدمة نحو مأسسة العمل الحزبي البرلماني وترسيخ الديمقراطية البرامجية.
اما علىً الصعيد الاستراتيجي، يثبت الأردن مجدداً عمق رؤيته الدبلوماسية وصياغته الحازمة لمعادلة الأمن القومي. ففي ظل التوترات المتصاعدة والعابرة للحدود في المنطقة، رفعت الدبلوماسية الأردنية نبرتها السياسية بشكل حاسم لحماية سيادتها الجوية والبرية، مرسلة رسائل واضحة وثابتة لا تقبل التأويل بشأن رفض أي تهديد يمس أمن المملكة أو يسعى لفرض واقع ديمغرافي جديد. ويتزامن هذا الحزم الميداني والسياسي مع تمسك مطلق بالثوابت الوطنية التاريخية، وفي مقدمتها حماية الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، باعتبارها ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي.
ولأن المنعة السياسية لا تنفصل عن القوة الاقتصادية، فإن الدولة الأردنية تمضي بالتوازي في تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى وغير مسبوقة تهدف إلى تعزيز الاعتماد على الذات وتأمين مستقبل الأجيال. وتأتي مشاريع مثل "الناقل الوطني للمياه"، وتطوير شبكات سكك الحديد الحيوية، والاستثمار في قطاعات الطاقة المتجددة كالهيدروجين والأمونيا الخضراء، لتشكل رافعة حقيقية للأمن المائي والاقصادي والبيئي للمملكة خلال السنوات القادمة.
إن الأردن وهو يواجه هذه الاستحقاقات، يقدم نموذجاً متميزاً في إدارة الأزمات؛ حيث يعيد صياغة توازناته الداخلية برؤية عصرية قائمة على المواطنة والتعددية الحزبية، في الوقت الذي يبحر فيه بدبلوماسية صارمة وحكيمة يقودها جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله وسط تلاطم الأمواج الإقليمية، ليظل كما كان دائماً، واحة للأمن والاستقرار وركيزة لا غنى عنها في هندسة الاستقرار بالشرق الأوسط .