الأردن وطنٌ لا تعرف جدرانه الطائفية… وحدتنا الوطنية عهدٌ لا ينكسر
بهاء الشنتير
23-10-2026 05:12 PM
في الأردن، ليست الوحدة الوطنية مجرّد شعارٍ نردّده في المناسبات، ولا عبارةً نستحضرها عند الأزمات، بل هي هوية وطن، ووجدان شعب، وتاريخٌ مشترك صاغته تضحيات الأردنيين جميعًا، مسلمين ومسيحيين، جيلاً بعد جيل. هي الحصن الذي احتمى به الوطن في الشدائد، والجسر الذي عبر عليه أبناؤه نحو المستقبل، والعهد الذي لا تهزّه جريمة، ولا تنال منه محاولات الفتنة، ولا تستطيع الكراهية أن تنال من جذوره الراسخة.
إن ما جرى في الكنيسة، وما أسفر عنه من سقوط ضحايا، جريمةٌ مؤلمة تهزّ ضمير كل إنسان، وتستوجب موقفًا وطنيًا حازمًا في مواجهة العنف والتطرف، وتأكيدًا لا يقبل التأويل بأن حرمة الدم الإنساني فوق كل اعتبار، وأن استهداف الأبرياء اعتداءٌ على الإنسانية قبل أن يكون اعتداءً على أي جماعة أو معتقد.
لكن الأردن، الذي يعرف قيمة الإنسان، لا يسمح للألم بأن يتحوّل إلى انقسام، ولا للمأساة بأن تصبح نافذةً تتسلّل منها الفتنة. ففي اللحظات الصعبة تظهر معادن الشعوب، ويثبت الأردنيون أن وحدتهم ليست وليدة ظرف، بل ثمرة تاريخ طويل من التآخي والتكافل والعيش المشترك، وأن النسيج الوطني الذي نسجته الأجيال لا تستطيع جريمة أن تمزّقه.
إن وحدتنا الوطنية ليست مجرّد تعايش بين أديان، بل شراكة في الوطن والمصير والكرامة والمسؤولية. فالمسلم والمسيحي في الأردن ليسا طرفين تفصل بينهما المسافات، بل شريكان في بناء الدولة، وصناعة منجزاتها، وحماية استقرارها، وصون هويتها العربية الأصيلة. جمعتهما الأرض، ووحّدت بينهما المواطنة، وربطت بينهما قيم الشهامة والنخوة والوفاء، حتى غدت الأخوّة بينهما جزءًا من الحكاية الأردنية التي يعتز بها كل أبناء الوطن.
والمسيحي الأردني ليس ضيفًا على وطنه، ولا المسلم غريبًا عن أخيه؛ فكلاهما ابن هذه الأرض، وصاحب حق فيها، وشريك في حاضرها ومستقبلها. فالأردن لا يُبنى بلونٍ واحد، ولا يكتمل بتجربة أبنائه دون غيرهم، بل يقوى بتنوّعهم، ويزدهر بتكامل أدوارهم، وتترسخ مناعته حين يشعر كل مواطن أن كرامته مصونة، وحقوقه محفوظة، وانتماءه لهذا الوطن لا ينتقص منه اختلاف الدين أو المعتقد.
ومن يظن أن رصاصةً قادرة على تفريق الأردنيين، أو أن جريمةً تستطيع أن تزرع العداوة بين أبناء الأسرة الوطنية الواحدة، لا يعرف حقيقة هذا الشعب. فالأردنيون أوعى من أن يسمحوا للمتطرفين باختطاف وعيهم، وأوفى لوطنهم من أن يتركوا للكراهية مكانًا في قلوبهم. لن تتحوّل دماء الضحايا إلى وقود للفتنة، بل ستكون دافعًا إضافيًا للتمسّك بالقانون والعدالة، وتعزيز التضامن الوطني، وحماية المجتمع من كل خطاب يسعى إلى بثّ الفرقة والتحريض.
والإسلام الذي نؤمن بقيمه السامية بريء من استهداف الأبرياء وترويع الآمنين؛ فالدين الذي يدعو إلى العدل والرحمة لا يمكن أن يكون غطاءً للجريمة، ولا يجوز أن تُستغل المقدسات لتبرير الاعتداء على الإنسان. إن احترام الأديان وصون دور العبادة وحماية حق الإنسان في ممارسة معتقده بأمان، مبادئ أساسية في دولةٍ تحترم مواطنيها، وتؤمن بأن الاختلاف لا يلغي الحقوق، وأن التنوع لا يناقض الوحدة.
وفي ظل قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، يواصل الأردن التأكيد على قيم الاعتدال والتسامح والعيش المشترك، وعلى أن المواطنة الجامعة هي أساس قوة الدولة وتماسك المجتمع. وتبقى مسؤوليتنا جميعًا أن نحمي هذه القيم بالفعل والموقف والكلمة، وأن نواجه خطاب الكراهية بالوعي، والتطرف بالحكمة والقانون، والفتنة بوحدة الصف، حتى تبقى الأردن عصيّةً على كل من يحاول المساس بأمنها أو العبث بنسيجها الاجتماعي.
إن الوحدة الوطنية مسؤولية لا تقع على عاتق مؤسسة وحدها، بل يحملها كل أردني في بيته وعمله ومدرسته وجامعته وكنيسته، وفي كل كلمة يكتبها أو موقف يتخذه. فالكلمة قد تبني جسرًا من الثقة، وقد تفتح ثغرةً في جدار المجتمع؛ ومن هنا، فإن واجبنا أن نكون حراسًا لوحدتنا، وأمناء على أخوّتنا، وأشدّ حرصًا على وطننا من كل صوت يحاول أن يفرّق بين أبنائه.
رحم الله الضحايا، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وحفظ الأردن قيادةً وشعبًا، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار.
فالأردن وطنٌ لا تعرف جدرانه الطائفية، ولا تُقسّم أرضه أبناءها، ولا تسمح هويته بأن يصبح الاختلاف بابًا للعداء. هنا تتعانق المآذن وأجراس الكنائس، وتلتقي القلوب تحت راية واحدة، ويقف الأردني إلى جانب أخيه لأن ما يجمعهما أكبر مما قد يختلفان فيه. هنا، الوحدة الوطنية ليست خيارًا عابرًا، بل كرامة وطن، وأمانة أجيال، وسياج دولة؛ وهنا سيبقى الأردن قويًا بأبنائه جميعًا، عصيًّا على الفتنة، وفيًّا لرسالته، لأننا نؤمن أن الوطن الذي يتّسع للجميع لا تهزّه جريمة، وأن الأخوّة التي صنعتها السنين لا تكسرها رصاصة، وأن الأردن سيظل بيتًا واحدًا، وقلبًا واحدًا، ومصيرًا واحدًا.