انتخابات على حافة الحرب: هل يتغير الشرق الأوسط برحيل نتنياهو أم تبقى السياسات؟
السفير ماهر لوكاشه
22-10-2026 06:52 PM
ليست كل الانتخابات شأناً داخلياً، ولا تقف نتائجها دائماً عند حدود الدول التي تجري فيها. فثمة استحقاقات تتجاوز صناديق الاقتراع لتلامس موازين القوى ومصائر الشعوب.
ويقف الشرق الأوسط أمام واحدة من هذه اللحظات، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من تشرين الأول، والانتخابات النصفية الأمريكية في الثالث من تشرين الثاني، في مشهد تتداخل فيه حسابات السلطة مع قرارات الحرب والسلام، وتتقاطع فيه الاعتبارات الانتخابية مع مستقبل إقليم أنهكته الصراعات.
ولا تنحصر أهمية هذين الاستحقاقين في مستقبل بنيامين نتنياهو أو موازين القوى داخل الكونغرس الأمريكي، بل تمتد إلى المواجهة مع إيران، والسياسات الإسرائيلية تجاه الأراضي الفلسطينية وسوريا ولبنان. غير أن السؤال الأهم ليس من يغادر السلطة ومن يبقى فيها، بل ما إذا كان تبدل الوجوه قادراً على إحداث تحول حقيقي في السياسات التي دفعت المنطقة إلى هذا المستوى من الاضطراب.
في الولايات المتحدة، لا تمثل الانتخابات النصفية استفتاءً على بقاء الرئيس دونالد ترمب؛ فالرئاسة ليست موضع اقتراع فيها. لكنها قد تعيد رسم موازين القوة التشريعية، وتؤثر في قدرة الإدارة على تمرير أولوياتها وفي مستوى الرقابة البرلمانية عليها. ويدخل الجمهوريون هذه الانتخابات بأغلبية ضيقة في مجلس النواب وبأغلبية في مجلس الشيوخ، فيما يسعى الديمقراطيون إلى انتزاع السيطرة على المجلسين أو أحدهما.
ولا يعني تغير الأغلبية أن الكونغرس ينتزع من الرئيس صلاحياته الدستورية بصفته قائداً أعلى للقوات المسلحة؛ فالصلاحيات المتعلقة باستخدام القوة موزعة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وحدودها موضع تداخل ونقاش. غير أن الكونغرس يملك أدوات مهمة للتأثير، من التشريع والاعتمادات المالية إلى الرقابة والنقاش بشأن التفويض باستخدام القوة. كما يفرض قانون صلاحيات الحرب الإخطار والتشاور في ظروف محددة، ويتيح للكونغرس اتخاذ خطوات لإجازة استخدام القوة أو تقييده. لذلك قد تؤثر نتائج الانتخابات في كلفة القرار العسكري سياسياً وتشريعياً، من دون أن تجعل التصعيد مستحيلاً أو التسوية حتمية.
وتكتسب هذه المعادلة أهمية إضافية في ظل المواجهة مع إيران وما تفرضه من أعباء سياسية واقتصادية وعسكرية. فقد يتحول التصعيد، الذي قد يُقدَّم باعتباره وسيلة لفرض الإرادة، إلى عبء انتخابي إذا ارتفعت كلفته أو طال أمده. ومن هنا يمكن فهم الحذر من فتح جبهات أوسع قبيل الانتخابات، إن ثبت وجوده في حسابات الإدارة، من دون اعتباره تحولاً دائماً في الموقف الأمريكي. فتأجيل التصعيد لا يعني العدول عنه، كما أن امتلاك القدرة عليه لا يجعل اللجوء إليه أمراً حتمياً.
أما في إسرائيل، فتجرى الانتخابات وفق النظام البرلماني، ولا يحسم استطلاع الرأي أو تقدم حزب بعينه هوية رئيس الحكومة. فالحكومة تحتاج إلى ثقة أغلبية أعضاء الكنيست، أي ما لا يقل عن 61 صوتاً من أصل 120، الأمر الذي يجعل التحالفات وشركاء الائتلاف عاملاً حاسماً. ويتصدر غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الأسبق وزعيم حزب «ياشار»، ونفتالي بينيت، إلى جانب نتنياهو وقوى سياسية أخرى، المشهد الانتخابي في منافسة لا تزال نتيجتها رهناً بتوزيع المقاعد وإمكان بناء ائتلاف مستقر.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل. فآيزنكوت يطرح نفسه منافساً لنتنياهو، لكنه ينتمي إلى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ولا يطرح تحولاً جذرياً في النظرة إلى إيران أو في مركزية التفوق العسكري. وتفيد التغطيات والتحليلات المنشورة عشية الانتخابات بأن الخلاف بين المعسكرين قد يكون، في ملفات أساسية، أقرب إلى اختلاف في درجة استخدام القوة وإدارة الصراع منه إلى اختلاف استراتيجي شامل. وهذا لا يلغي الفوارق بينهما، لكنه يدعو إلى التمييز بين التغيير في أسلوب الحكم وبين مراجعة أهدافه وسياساته.
ومن ثم، فإن رحيل نتنياهو، إن حدث، لا ينبغي أن يُقرأ عربياً باعتباره نهاية للمواجهة مع إيران أو تراجعاً تلقائياً عن السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية والعربية. فثمة توجهات أمنية وسياسية راسخة تتجاوز شخص رئيس الوزراء، وإن تفاوتت الحكومات في أولوياتها وفي الوسائل التي تختارها لتنفيذها.
وتبدو الضفة الغربية مثالاً واضحاً على هذا التمايز بين الاتجاه العام ودرجة التشدد. فحكومة نتنياهو تضم قوى تدعو إلى ضم أراضٍ فلسطينية وتوسيع الاستيطان. أما آيزنكوت، فتشير التقارير إلى أنه لا يرفض الاستيطان من حيث المبدأ، لكنه يقول بضرورة التزامه بالقانون الإسرائيلي، ويعارض البؤر غير المرخصة ومشاريع محددة يرى أنها تقوض فرص قيام دولة فلسطينية. وفي الوقت نفسه، لا يطرح آيزنكوت، وفق المواقف المنشورة، إقامة دولة فلسطينية مستقلة بوصفها أفقاً سياسياً مقبولاً، كما يتبنى موقفاً يقضي ببقاء السيطرة الأمنية الإسرائيلية على كامل المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط. وعليه، قد يفضي تغير الحكومة إلى اختلاف في وتيرة التوسع أو في التعامل مع بعض البؤر، لكنه لا يقدم بذاته ضمانة لإنهاء الاحتلال أو إحياء حل الدولتين.
وفي قطاع غزة، يتفق نتنياهو وآيزنكوت على رفض انسحاب القوات الإسرائيلية قبل نزع سلاح حماس، وعلى الاستعداد لاستئناف القتال إذا لم يتحقق ذلك. ويختلفان في تصور الطريق إلى إدارة بديلة للقطاع وفي دور الترتيبات السياسية والدولية. لكن تغيير شكل الوجود العسكري أو الجهة التي تدير القطاع لا يكفي وحده لمعالجة أصل النزاع؛ إذ يظل أي أفق مستدام مرهوناً بصون حقوق الفلسطينيين، ووقف دوائر العنف، وبلورة مسار سياسي ذي مصداقية.
أما في سوريا ولبنان، فتشير تحليلات حديثة إلى أن الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية تتضمن الاحتفاظ بمناطق عازلة والعمل العسكري خارج الحدود عند تقدير وجود تهديد. وقد تختلف الحكومات في نطاق هذا التوجه أو في شروط الانسحاب والتفاوض، لكن استدامة الأمن الإقليمي لا يمكن أن تقوم على تجاهل سيادة الدول أو على فرض الوقائع بالقوة. فالمكاسب التكتيكية، مهما بدت مؤثرة في لحظتها، لا تضمن استقراراً استراتيجياً دائماً.
وفي قلب هذه المعادلات تقف إيران، حيث تتلاقى الحسابات الأمريكية والإسرائيلية من دون أن تتطابق. فواشنطن تنظر إلى المواجهة من زاوية مصالحها العالمية وكلفتها الاقتصادية والعسكرية، بينما تضع إسرائيل أمنها الإقليمي وموازين الردع في صدارة حساباتها. وقد ترى الإدارة الأمريكية أن تسوية ما تحقق قدراً كافياً من مصالحها، فيما تعتبر حكومة إسرائيلية أن نتائجها لا تفي بأهدافها الأمنية. وهذا التباين المحتمل لا ينفي التحالف بين البلدين، لكنه يذكّر بأن الشراكة لا تعني تطابق المصالح في كل مرحلة.
ومن هنا تتضح أهمية التقاطع بين الاستحقاقين الانتخابيين. فاحتفاظ الجمهوريين بأغلبية الكونغرس قد ييسر بعض أولويات الإدارة، لكنه لا يضمن التوافق مع الحكومة الإسرائيلية في كل خيار. أما تقدم الديمقراطيين في أحد المجلسين أو كليهما، فقد يرفع مستوى الرقابة والقيود التشريعية والمالية، لكنه لا يضمن بذاته تحولاً جوهرياً في الاستراتيجية الأمريكية أو الإسرائيلية. وبين الاحتمالين، تبقى السياسات رهناً بالمصالح، وبحسابات التحالفات، وبكلفة استمرار الصراع ووقائعه على الأرض.
ولعل أكثر ما ينبغي أن يستوقف العالم العربي هو خطورة بناء التقديرات الاستراتيجية على تبدل الأشخاص، بدلاً من فهم المؤسسات والسياسات والمصالح التي تقف خلفهم. فالرهان على رحيل نتنياهو وحده لا يكفي لإنهاء الاستيطان أو الاحتلال، كما أن فوز الديمقراطيين لا يضمن تغيير السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل. وتبين تجارب المنطقة أن السياسات المرتبطة بالأمن القومي والتحالفات والمصالح الراسخة قد تستمر رغم تغير الحكومات، وإن لم يمنع ذلك إمكان تعديلها أو الحد من بعض آثارها.
وبالنسبة إلى الأردن، تمس هذه التطورات أمنه الوطني ومصالحه العليا بصورة مباشرة. فالضفة الغربية ليست مجرد ملف تفاوضي، بل قضية ترتبط باستقرار المملكة وبالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وبمستقبل الحل السياسي الذي ظل الأردن يدافع عنه. كما أن استمرار التوتر على الحدود واحتمالات اتساع المواجهة مع إيران يفرضان تحديات إضافية على أمن المنطقة واستقرارها. ومن ثم، فإن مصلحة الأردن والمنطقة تقتضي دعم مسار سياسي يحفظ الحقوق والسيادة، ويحول دون اتساع دوائر الصراع.
إن قراءة المشهد تستوجب إدراك حقيقة أساسية: التفوق العسكري، مهما بلغ مداه، لا يستطيع وحده إنتاج سلام مستدام؛ وفرض الوقائع على الأرض لا يحولها إلى حقوق مشروعة؛ كما أن إضعاف الخصوم لا يزيل بالضرورة أسباب الصراع. فالتسويات التي تتجاهل السيادة والحقوق الوطنية قد تؤجل الانفجار، لكنها نادراً ما تعالج جذوره.
وفي المحصلة، قد تحمل الأيام المقبلة تغيراً في موازين القوى داخل الكونغرس الأمريكي، وقد تنهي حقبة نتنياهو أو تمنحه فرصة جديدة للاستمرار. لكن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد بمن يجلس في البيت الأبيض أو يتولى رئاسة الحكومة الإسرائيلية فحسب، بل بالخيارات التي ستُتخذ بعد انقضاء المعارك الانتخابية.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل العواصم العربية والدولية: هل ستفتح هذه الانتخابات نافذة لمراجعة السياسات التي دفعت المنطقة إلى حافة الصراعات المفتوحة، أم ستمنح شرعية سياسية جديدة لاستمرارها؟
فالأمم لا تقيس التحولات الكبرى بأسماء القادة الذين يغادرون مواقعهم أو يخلفونهم فيها، بل بما يتغير من سياسات، وما يُصان من حقوق، وما يتحقق من أمن واستقرار. أما تبدل الوجوه مع بقاء النهج ذاته، فليس تحولاً في التاريخ، وإنما فصل جديد من المسار نفسه.