facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من يعتدي على كنيسة يعتدي على الأردن كله


أ.د احمد منصور الخصاونة
23-10-2026 05:16 PM

ليست الكنائس في الأردن مجرد حجارة تعلوها الصلبان، وليست المساجد مجرد مآذن ترتفع في السماء؛ إنها بيوت للعبادة، وملاذات للسكينة، وشواهد على إيمان الإنسان، ورموز لوطن أدرك منذ نشأته أن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وأن حرية المعتقد حق أصيل، وأن اختلاف الأديان لا يلغي وحدة الأرض، ولا يبدد أخوّة الإنسان، ولا يغيّر حقيقة الانتماء إلى وطن واحد.

إن الاعتداء الجبان على إحدى الكنائس في مدينة الكرك العزيزة ليس مجرد اعتداء على مكان مقدس، بل هو طعنة في ضمير الوطن، وجرح في وجدان كل أردني، ومحاولة للمساس بقيم التآخي والتسامح والعيش المشترك التي ترسخت في أرضنا عبر الأجيال، وشكّلت أحد أنبل وجوه هويتنا الوطنية.

فمن يعتدي على كنيسة في الكرك، إنما يعتدي على مسجد في عمّان، وعلى بيت في إربد، وعلى قلب كل أردني يؤمن بأن الوطن لا يتجزأ، وأن كرامة أبنائه وأمنهم وسلامتهم مسؤولية الجميع.

إننا ندين ونستنكر بأشد العبارات هذا الفعل المشين، الذي ترفضه الأديان السماوية، وتأباه الفطرة الإنسانية السليمة، وتنبذه أخلاق الأردنيين وقيمهم الأصيلة. فلا دين يبرر الاعتداء على الأبرياء، ولا عقيدة تبيح انتهاك حرمة دور العبادة، ولا انتماء وطني صادق يقبل أن يُروَّع إنسان بسبب دينه أو معتقده.

وأهلنا المسيحيون في الأردن ليسوا ضيوفًا على هذا الوطن، ولا أقلية نمنّ عليها بالتسامح، ولا مجرد شركاء في جغرافيته؛ بل هم أهل الدار، وأصحاب التاريخ، وشركاء الأرض والمصير، وجزء أصيل من هوية الأردن وذاكرته ووجدانه. هم إخوتنا الذين تقاسمنا معهم خبز الحياة، وأفراح المناسبات، ووجع المصائب، ووقفنا معهم ووقفوا معنا في محطات الوطن كلها، نبني معًا، ونحلم معًا، ونحمل هموم الأردن وآماله معًا.

لقد كانت العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في الأردن أعمق من مجرد تعايش تفرضه الجغرافيا أو تنظمه القوانين؛ إنها أخوّة صنعتها الحياة، ورسّختها المواقف، وحفظتها المروءة، وتعاقبت عليها الأجيال. فلا يحتاج المسيحي الأردني إلى من يمنحه شهادة في الوطنية، كما لا يحتاج المسلم الأردني إلى من يثبت له حق الانتماء؛ فكلاهما من هذا الوطن، ولهذا الوطن، وفي سبيل عزته وكرامته.

والكرك الأبية، بتاريخها العريق، ورجالها ومواقفها المشرفة، ستبقى عنوانًا للنخوة والشهامة والكرامة الوطنية. تلك المدينة التي تعانقت في فضائها أجراس الكنائس مع أصوات المآذن، وتقاسم أهلها عبر التاريخ المحبة والوفاء، أكبر من أن تشوّه صورتها يد آثمة، وأعظم من أن تختزل أصالتها في فعل جبان لا يمثل قيمها ولا أخلاق أهلها.

إن أخطر ما في الاعتداء على دور العبادة ليس ما قد يخلّفه من أضرار في الحجر والمكان، بل ما يحمله من تهديد لأمن الإنسان وطمأنينته، وما يمكن أن يثيره من خوف وشك وفرقة بين أبناء المجتمع الواحد. ولذلك فإن مسؤوليتنا لا تقف عند حدود الإدانة والاستنكار، بل تمتد إلى حماية قيمنا الوطنية، وترسيخ ثقافة التسامح، ومواجهة التعصب والتحريض والكراهية، وتعزيز سيادة القانون وصون حرمة الإنسان ودور العبادة.

فأمن الكنيسة من أمن المسجد، وحرمة العبادة واحدة، وكرامة المسيحي من كرامة المسلم، والاعتداء على أي أردني، أيًّا كان دينه أو أصله أو معتقده، هو اعتداء على الأردن كله.

ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى كل من يحاول العبث بنسيجنا الاجتماعي أن الوحدة الوطنية الأردنية ليست شعارًا نرفعه في المناسبات، ولا كلمات نرددها عند الأزمات؛ إنها عهد أخلاقي ووطني، ومسؤولية تتوارثها الأجيال، وحقيقة راسخة في وجدان شعب عرف كيف يجعل من تنوعه مصدر قوة، ومن اختلافه مساحة للتلاقي، ومن محبته لوطنه جسرًا يتجاوز كل محاولات الفرقة.

إن الأردن، بقيادته الهاشمية، وبوعي شعبه الأصيل، سيبقى وطنًا للمحبة والتسامح والسلام، تتسع أرضه وقلوب أبنائه للجميع، وتظل فيه المواطنة أساس الحقوق والواجبات، والكرامة الإنسانية فوق كل اعتبار.

وإلى أهلنا وأحبتنا وإخوتنا المسيحيين في الكرك وفي كل بقعة من أرض الأردن، نقول من أعماق القلب لسنا متضامنين معكم من بعيد، فنحن وأنتم أهل المصاب الواحد، والبيت الواحد، والمصير الواحد. ما يؤلمكم يؤلمنا، وما يمسّ أمنكم يمسّ أمننا، وما يجرح كرامتكم يجرح كرامتنا. كنائسكم جزء من ذاكرة وطننا، وأجراسها جزء من صوته، وفرحكم فرحنا، وحزنكم حزننا.

وإن كان من رسالة نوجّهها اليوم، فهي أن الأوطان العظيمة لا تُقاس بغياب المحن عنها، بل بقدرة أبنائها على مواجهتها صفًّا واحدًا، وأن المحبة الحقيقية لا تُختبر في أيام الرخاء، وإنما تتجلى حين يقف الأخ إلى جانب أخيه، ويحمي الجار جاره، ويشعر الجميع بأن أمن الفرد من أمن الوطن كله.

ستبقى الكرك شامخة، وستبقى أجراس الكنائس ومآذن المساجد شواهد على وحدة الأردن، وستبقى قلوب الأردنيين أكبر من الحقد، وأقوى من الكراهية، وأسمى من كل دعوات التعصب والفتنة. فالأردن ليس وطنًا يجمعنا رغم اختلافنا، بل وطن يجمعنا بكل ما فينا من تنوع، ويوحّدنا بما نحمله من انتماء ومحبة ووفاء.

حمى الله أهلنا المسيحيين في الأردن وسائر أرجاء عالمنا العربي، وحفظ كنائسنا ومساجدنا، وأدام على أردننا الغالي، قيادةً وشعبًا وأرضًا، نعمة الأمن والأمان. وسيظل الأردن بيتنا جميعًا، وستبقى وحدتنا الوطنية خطًّا أحمر، وسيبقى انتماؤنا للوطن أقوى من كل محاولة لزرع الفرقة؛ فما يجمعنا وطن، وما يوحّدنا تاريخ، وما ينتظرنا مصير واحد.
حمى الله الأردن، وحمى شعبه الواحد، وأدام عليه نعمة المحبة والسلام.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :