في اللحظات القاسية تتجلى معادن الشعوب، وتتضح ملامح الهوية الحقيقية للدول. ففي الجمعة الثالث والعشرين من أكتوبر 2026، اهتزت محافظة الكرك، «قلعة الوحدة الوطنية»، على وقع هجوم إرهابي غاشم استهدف كنيسة القديس جورجيوس في قرية حمود أثناء مراسم تشييع جنازة، وخلّف شهداء و جرحى.
لم يكن الهجوم جريمة جنائية عابرة، بل محاولة يائسة لضرب النسيج الاجتماعي الأردني المتماسك، والنيل من نموذج التعايش الذي بُني على مرّ القرون. غير أن التجارب السابقة أثبتت أن الإرهاب الذي يستهدف الأبرياء لا يفرّق بين مسلم ومسيحي، وأن الردّ الوطني الجامع هو ما يكشف نوايا المخطِّطين ويُظهر خيبتهم.
وفي خضم الألم والغضب، كان للموقف الملكي أثر بالغ في نفوس الأردنيين. فقد توجّه جلالة الملك عبدالله الثاني فوراً إلى الكرك للاطمئنان على المصابين، مرتدياً الزي العسكري الميداني، في رسالة واضحة بالحزم في مواجهة الإرهاب والوقوف إلى جانب القوات المسلحة والأجهزة الأمنية. وتوعّد جلالته المنفذين بأشد العقوبات، وقال إنه سيضرب «بيد من حديد» كل من تطاول على الوطن. ثم جاءت العبارة التي لامست قلوب الأردنيين: «راح نورجيهم». لم تكن تهديداً فحسب، بل عهداً قطعته القيادة على نفسها بألا يفلت الجناة من العقاب، وألا تذهب دماء الشهداء هدراً.
وتضعنا هذه الفاجعة أمام حقيقة راسخة في تاريخ الأردن: الوحدة الوطنية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هوية ووجدان وتاريخ مشترك صاغته تضحيات الأجيال من المسلمين والمسيحيين. فالمسيحي الأردني ليس ضيفاً على وطنه، ولا المسلم غريباً عن أخيه، بل هما شريكان في بناء الدولة وحماية استقرارها وصون هويتها العربية. جمعتهما الأرض، ووحّدتهما المواطنة، وربطتهما قيم الشهامة والنخوة والوفاء.
وهذا التعايش ليس وليد اللحظة، فالمسيحية حاضرة في هذه الأرض منذ القرون الأولى، ولما جاء الإسلام في القرن السابع الميلادي عزّز روح التلاقي والتسامح بين أبناء الديانتين. وقد تُوّج هذا الإرث بمبادرات ملكية، أبرزها «أسبوع الوئام العالمي بين الأديان» الذي تبنّته الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع عام 2010. وما كان لهذه المبادرات أن تلقى صدى عالمياً لولا أن وراءها نسيجاً وطنياً حياً، صمد قروناً أمام كل محاولات الشقاق.
وحين حاولت أيادٍ خبيثة العبث بهذا النسيج في الكرك، كان الردّ الوطني أسرع من أي فتنة. فاستهداف كنيسة ليس هجوماً على المسيحيين وحدهم، بل على كل الأردنيين وعلى قيم الاعتدال التي قامت عليها الدولة. وقد امتزج الحزن في الكنيسة بالعزاء في المسجد، وتوحّدت القلوب قبل الأيدي. فالأردنيون على قلب رجل واحد، ولن تُحدث جريمة كهذه شرخاً في علاقة المسلم والمسيحي.
وهكذا ستبقى «راح نورجيهم» محفورة في الذاكرة الجماعية رمزاً لعدالة لا تهاون فيها، وقيادة تقف في خندق واحد مع شعبها.
وسيبقى الأردن، الذي يواجه الإرهاب بعزم لا يلين، قادراً على حماية نموذجه في التآخي، فلن يتحوّل ما حدث في الكرك إلى وقود للكراهية، بل إلى دافع للتمسك بالقانون والمواطنة والمساواة، تحت ظل قيادة هاشمية عاهدت الله والوطن على صون كرامة أبنائه جميعاً.