الأردن عصيٌّ على الإرهاب .. والكرك تُجهض الفتنة
محمد قاسم عابورة
24-10-2026 03:06 PM
حين تمتد يد الغدر الى دور العبادة ، فإنها لا تستهدف جدرانا حجرية ، ولا شعائر يقيمها مصلّون في لحظة خشوع ، بل تستهدف فكرة الدولة نفسها، وتسعى إلى زعزعة قيم العيش المشترك ، والتي غدت علامة فارقة في الهوية الفكرية والسياسية للأردن. وما شهدته قرية "حمود " في محافظة الكرك من اعتداء إرهابي جبان على كنيسة ليس حدثا ً أمنيا ً عابرا ً، بل اختبارٌ فكري وسياسي ، يكشف مرة أخرى عمق الوعي الأردني ومناعته في وجه التطرف .
لم تكن الكرك يوما ً مجرد موقع جغرافي في الجنوب ، فهي في الوجدان الأردني قلعة استعصت على الغزاة، وملجأ الشهامة الوطنية ، وفي هذه المحافظة الضاربة في عمق التاريخ ، لم يكن التعايش بين المسلمين والمسيحيين شعار مناسبات ، بل ثقافة وإرثا وتاريخا ً مشتركا ً، تصاهرت فيه العائلات، وتقاسمت السراء والضراء، وصوت الأذان فيها يعانقَ صدى أجراس كنائسها ، معلنة أن رسالة المحبّة والسلام َ هما لغةُ السماءِ الواحدة .
ومن هنا فإن استهداف الإرهابيين هذه المحافظة للمرة الثانية، وتوجيه ضربتهم إلى كنيسة في مناسبة إنسانية خالصة، يعكس إفلاسا فكريا وأخلاقيا لدى قوى الظلام والإرهاب ، لقد توهّم صنّاع الفتنة أن بوسعهم شقّ النسيج الإجتماعي الأردني، فغاب عنهم أن الدماء التي أريقت إنما سقت شجرة الوحدة الوطنية ، فزادتها قوةً ورسوخا ً وثباتا ً . فالأردن، ومنذ تأسيسه، شكّل أنموذجا ً فريدا للعيش المشترك بين أبناء الوطن الواحد، وترسخت فيه قيم "الأسرة الأردنية الواحدة " . وعلى مدى عقود ، أثبتت الدولة، بنهجها السياسي ومؤسساتها وسيادة القانون فيها،أنه لا مكان للإرهاب على هذه الأرض ، فالأردن لم يقم على المزايدات الأيديولوجية ، بل الوسطية والتسامح .
وإذا قُرئت هذه الجريمة قراءةً تحليلية سياسية، فإنها تكشف عن ثلاث حقائق استراتيجية مترابطة، أولاها غياب الحاضنة الإجتماعية والفكرية للتطرف ، وأن الإرهاب بلا غطاء مجتمعي ،إذ أنّ السخط الشعبي الواسع ‘ والرفض المجتمعي العفوي والفوري الذي قوبلت به الجريمة ، يبرهنان على أن الجماعات المتطرفة تعيش عزلة تامة ، وتتصل هذه الحقيقة بثانيتها، وهي رسوخ العقيدة الأمنية للدولة، فقد أظهرت الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة جاهزية عالية وحزما ً في حماية الوطن وملاحقة خفافيش قوى الظلام، وهو ما يجعل العزلة المجتمعية للمتطرفين مقترنةً بيقظة مؤسسية لا تترك لهم منفذا ً . وتكتمل الحلقة بالحقيقة الثالثة، وهي تكامل الإرادة الرسمية والشعبية ، إذ يقف الشارع الأردني بمختلف أطيافه صفا ً واحدا ً خلف القيادة ومؤسسات الدولة . وبذلك تغلق المنافذ أمام اي محاولة لإستثمار هذه الجرائم في اشعال الفتنة . وهذه العناصرالثلاثة ليست عناصر منفصلة، بل منظومة متكاملة تشكّل حصنا ً منيعا ً للإستقرار الوطني .
على أن المواجهة مع الإرهاب لا تكتمل بالحل الأمني وحده، بل تقتضي مواجهة فكرية جريئة تعرّي خطابه وتفكك مرتكزاته. فالإسلام الحنيف والقيم المسيحية السامية يلتقيان على صون حياة الإنسان وكرامته، وكل فكر يسفك الدماء المعصومة وينشر الخوف باسم الدين ، يتبرأمنه الدينان معاً ً، لأنه توظيف للدين لا تعبير عنه. ومن ثمّ ينبغي أن تكون هذه الحادثة دافعا ً إلى تعزيز الخطاب التنويري في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام ، وتفعيل دور المؤسسات الدينية في نشر خطاب الإعتدال ، وتشديد الرقابة على خطاب الكراهية ومحاصرته ، وترسيخ قناعة مفادها أن حماية العيش المشترك ليست واجبا ً أخلاقيا ً فحسب، بل ضرورة استراتيجية للسيادة الوطنية والأمن القومي .