العشائر الأردنية المسيحية .. حضور متجذر وإسهام أصيل (1-2)
حارث أبو بديوي
24-10-2026 07:13 PM
للعشائر الأردنية المسيحية في تاريخ هذه البلاد جذور أعمق من أن تختصرها حقبة، أو أن يبدأ الحديث عنها من أول سجل وصل إلينا.
في البتراء ومادبا وأم الرصاص، وفي ما بقي من الكنائس والأديرة والفسيفساء، شواهد على حضور حضاري موغل في القدم والأصالة.
وفي تاريخ المشرق، كانت للعشائر العربية المسيحية أدوار في تحالفاته وتحولاته السياسية والاجتماعية، وأسهمت في تشكيل ملامحها عبر قرون متعاقبة. كان هذا الحضور جزءاً من تاريخ الناس والأرض، بما فيه من عمران وزراعة وتجارة، وعلاقات اجتماعية وتحولات في موازين القوة والنفوذ. وحين دخلت الجغرافيا الأردنية العهد العثماني، لم تبدأ تاريخها من فراغ؛ وإنما دخل مجتمعها، بتراكماته العميقة، مرحلة جديدة من التوثيق الإداري والمالي.
ومن هنا، تبدأ هذه القراءة بالقرن السادس عشر، بوصفه مدخلاً وثائقياً يساعد على تتبع حضور العشائر المسيحية الأردنية وحركتها ومواقعها في تأسيس المجتمع الأردني، وصولاً إلى القرنين التاسع عشر والعشرين؛ وهي المرحلة التي تبلورت ونضجت خلالها ملامح المجتمع الأردني الحديث، قبل قيام الدولة الأردنية عام 1921. وكان لأبناء هذه العشائر إسهام أصيل في تشكيلها، إلى جانب بقية العشائر والمكونات الأردنية.
والحديث عن حضور العشائر الأردنية المسيحية وفاعليتها في الوثائق العثمانية ومرويات الرحالة حديث طويل، متشعب وشيّق، ومهم، في آن، لفهم جانب أصيل من تحولات الجغرافيا والمجتمع الأردني. وتقوم هذه المطالعة، في جانب رئيسي منها، على مسارين من المصادر يكمل أحدهما الآخر؛ أولهما الوثيقة، من دفاتر التحرير والضرائب العثمانية إلى السالنامات، وسجلات الأراضي والمحاكم، والوثائق الإدارية والكنسية. وهي مصادر تتيح لنا أن نرى التجمعات السكانية، وأحجامها النسبية، وانتشارها، وحركتها، وصلتها بالأرض والزراعة والتجارة والإدارة.
أما المسار الثاني، فهو ما تركه الرحالة والباحثون والرهبان ورجال الدين ممن جابوا شرق الأردن، أو أقاموا فيه، أو ارتبطوا بكنائسه وأديرته ومجتمعاته المحلية. وتختلف هذه المادة بطبيعتها عن الوثيقة الرسمية؛ فهي لا تقدم أرقاماً وسجلات فحسب، بل تنقل صورة المكان والناس؛ القرية والبيت، والأرض، والمضافة، والرعي، والعشيرة، والكنيسة، وأنماط الحياة اليومية. وبين هذين المسارين يمكن رسم صورة أكثر اكتمالاً للحضور المسيحي في الجغرافيا الأردنية خلال عدة قرون، ولإسهامه في تكوين مجتمعها الحديث.
في هذا السياق، تبرز الدراسة النوعية الواسعة التي أعدّها الأستاذ الدكتور محمد عبد القادر خريسات في كتابه ذي المجلدين «المسيحيون في قضاء السلط: السلط – الفحيص – الرميمين 1869–1920»، الصادر عن وزارة الثقافة عام 2012. فقد بنى الكتاب مادته على قاعدة وثائقية واسعة، تشمل السالنامات والوثائق العثمانية، ووثائق مرحلة إبراهيم باشا، وسجلات الكنائس، والسجل الفيصلي، وكتب الرحالة وغيرها من المصادر، ليعيد تركيب صورة المجتمع المسيحي في السلط وامتداداته إلى الفحيص والرميمين، في سياقه السكاني والاجتماعي والاقتصادي والإداري.
ويبدو القرن السادس عشر الميلادي نقطة مناسبة للبدء الوثائقي، لأن الإدارة العثمانية أنتجت منذ تلك المرحلة سجلات مالية وضريبية تسمح برؤية جانب من المجتمع المحلي من خلال بيانات منتظمة نسبياً. ومن تلك اللحظة، ثم عبر الوثائق والسجلات والشهادات التي تتكاثر بصورة أكبر في القرن التاسع عشر، تظهر أمامنا خريطة لافتة؛ ثقل مسيحي كبير في الكرك، وحضور معتبر في السلط، وامتداد قروي في شمال الأردن، ثم تحركات سكانية أعادت توزيع بعض التجمعات خلال القرن التاسع عشر، باتجاه مراكز جديدة، من أبرزها مادبا، إلى جانب تبلور الفحيص والرميمين بوصفهما تجمعين أكثر وضوحاً في السجلات.
ويقدم كتاب فولف ديتر هوتروث وكمال عبد الفتاح، «الجغرافيا التاريخية لفلسطين وشرق الأردن وجنوب سورية في أواخر القرن السادس عشر»، الصادر عام 1977، مدخلاً أساسياً إلى الخريطة السكانية للمنطقة، اعتماداً على دفاتر التحرير العثمانية. وفي هذه الدفاتر، كانت الدولة تسجل الخانات، أي الوحدات الأسرية المسجلة لأغراض الجباية، إلى جانب بعض فئات المكلفين الأخرى، كما كانت تدوّن الأراضي والمحاصيل والماشية والطواحين والأسواق وغيرها.
صحيح أنه لا يمكن تحويل عدد الخانات آلياً إلى عدد من السكان، ولا اعتبار النسبة بين الخانات مطابقة بالضرورة للنسبة بين الأفراد؛ لكن هذه السجلات تمنحنا صورة مهمة عن وجود التجمعات المستقرة، وأحجامها النسبية، واقتصادها، وتوزعها الجغرافي في لحظة تاريخية محددة. كما أن قراءة الإجماليات تستلزم الانتباه إلى الفرق بين عدد الخانات الأسرية والفئات الأخرى التي قد تدخل في بعض الجداول السكانية.
وتبدو الكرك الحالة الأكثر وضوحاً؛ إذ يسجل دفتر سنة 1596 وجود 103 خانات مسيحية من أصل 181 خانة أسرية، أي نحو 57 في المئة من مجموع الخانات في المدينة. وهي نسبة تكشف مقدار الثقل المسيحي في الكرك في أواخر القرن السادس عشر، على مستوى الأسر المسجلة، دون أن تعني بالضرورة النسبة نفسها من مجموع السكان.
ويرصد السجل، إلى جانب الخانات، نشاطاً اقتصادياً قائماً على الحبوب والأشجار والكروم والماشية، فضلاً عن الطاحونة والسوق. وتقدم هذه البيانات صورة عن مجتمع مستقر داخل دورة الإنتاج والحياة الاقتصادية للمدينة، كانت الأسر المسيحية جزءاً كبيراً من نسيجه وتطوره. وتكتسب الإشارة أهميتها من زمنها أيضاً؛ فهي تعود إلى أكثر من ثلاثة قرون قبل قيام الدولة الأردنية الحديثة، وتضع هذا الحضور وهذه الفاعلية داخل طبقات الاجتماع المحلي القديمة.
أما السلط، فيسجل دفتر سنة 1596 خمساً وعشرين خانة مسيحية من مجموع خمس وستين خانة أسرية مسجلة، أي نحو 38.5 في المئة.
وهنا تبرز، مرة أخرى، دراسة الدكتور محمد عبد القادر خريسات، التي تتبع مسيحيي قضاء السلط خلال الفترة من 1869 إلى 1920، وتكشف حضورهم في الإدارة والتجارة والزراعة والحياة الاجتماعية. ومن الشواهد الدالة أن تشكيل مجلس إدارة قضاء السلط سنة 1869 ضم أربعة من المسيحيين، هم داود اليعقوب، وفرح قاقيش، وصالح أبو جابر، وحنا قعوار، إلى جانب ممثلي العشائر والمناطق الأخرى. وتكتسب هذه الأسماء دلالتها من أنها تُظهر المشاركة في إدارة الشأن المحلي، قبل نشوء الدولة الأردنية الحديثة، وتكشف أن الإسهام المسيحي كان أساسياً. كما تبين المادة التي جمعها خريسات أيضاً أن السلط كانت مركزاً اجتماعياً امتدت منه صلات وحركات سكانية باتجاه الفحيص والرميمين،.
وفي شمال الأردن، يسجل دفتر سنة 1596 خانتين مسيحيتين فقط في مركز مدينة عجلون. لكن هذه الصورة لا تختزل حضور العشائر المسيحية في الشمال؛ فالمقارنة بين مركز المدينة وشبكة القرى المحيطة به تكشف أهمية الامتداد الريفي، ومن أمثلته عنجرة وزوبيا، في رسم الخريطة السكانية. وقد كان الحضور المسيحي في جانب من شمال الأردن موزعاً بين القرى والجبال والأودية والأراضي الزراعية، لا محصوراً في مركز إداري واحد.
وتظهر هذه الخريطة بقدر أكبر من التفصيل في مصادر القرن التاسع عشر، حين تصبح شهادات الرحالة ورجال الدين أكثر كثافة. وهنا تكمن أهمية عدم اختزال جغرافيا كاملة في مدينة واحدة؛ فالشمال الأردني كان فضاءً قروياً واسعاً، وكانت مراكز الحياة الاجتماعية والزراعية موزعة على تجمعات متعددة، وليس على حاضرة إدارية واحدة.
ومع القرن التاسع عشر، تصبح المادة المتاحة أكثر ثراءً؛ إذ تتوسع الإدارة العثمانية، وتظهر السالنامات، وتتزايد سجلات الأراضي والمحاكم والكنائس، فيما يتكاثر عدد الرحالة والباحثين ورجال الدين الذين يزورون المنطقة أو يقيمون فيها، ويتركون أوصافاً أكثر تفصيلاً عن السكان والقرى وأنماط الحياة.
ومن خلال هذه المادة، يتضح أن جانباً من التحولات التي شهدتها الخريطة المسيحية في شرق الأردن كان بمثابة إعادة توزيع سكاني وعمراني واقتصادي، جرت في ظل ظروف محلية وإدارية واجتماعية متغيرة. ففي البلقاء، استمر الثقل المسيحي في السلط، ثم برزت الفحيص والرميمين بصورة أوضح. وتشير دراسة خريسات إلى أن أغلبية مسيحيي الفحيص تعود جذورهم المباشرة إلى البيئة السلطية، قبل أن يتبلور تجمعهم بصورة أكثر استقلالاً واستقراراً.
ويظهر هذا التحول بأوضح صوره في مادبا. فخلال سنة 1880 بدأت جماعات مسيحية من الكرك انتقالها إلى منطقة مادبا، بعد رحلة مرت بمراحل ومحطات، ثم استقر التجمع بصورة أوضح ودائمة في العام التالي، وحصل على إذن عثماني يثبت حقوقه في الأرض التي شرع بإقامة بيوته عليها. وتشير سجلات البطريركية اللاتينية إلى بناء الكنيسة اللاتينية الأولى ومدرسة ابتدائية سنة 1883، بعد سنوات قليلة من بداية الاستقرار.
أما دراسة جيرالدين شاتلار عن العشائر المسيحية في مادبا، المستندة إلى مصادر كنسية وعثمانية ومحلية وأوروبية، فتقدم تفاصيل أوسع عن هذه الحركة السكانية؛ إذ كان العزيزات في طليعة القادمين، ثم لحقت بهم جماعتا الكرادشة والمعايعة، وكلها خرجت من البيئة الكركية. وتقدر الدراسة حجم هذه الجماعات في مرحلة التأسيس بنحو ثمانمئة شخص، وهو تقدير تقريبي لا ينبغي التعامل معه بوصفه تعداداً رسمياً شاملاً.
وبهذا المعنى، تمثل مادبا إعادة تموضع لجماعات كانت موجودة أصلاً في الجنوب الأردني. ولم يكن التحول سكانياً فقط، بل عمرانياً واقتصادياً أيضاً؛ فقد أخذ الموقع القديم يستعيد حياته، وأعيد بناء البيوت، واستصلحت الأرض، وانتظمت الزراعة، ثم راحت البلدة تتحول تدريجياً إلى مركز سكاني وثقافي واقتصادي جديد.
وهكذا، أسهمت العشائر المسيحية الأردنية، خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، في إعادة رسم جزء من خريطة الاستقرار والعمران في الهضبة الأردنية، وفي ترسيخ مراكز للحياة الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، إلى جانب مراكزها القديمة في الكرك والسلط وقرى الشمال. ولم يكن ذلك تاريخ جماعات منفصلة عن محيطها، بل فصلاً من تاريخ المجتمع الأردني وهو يعيد تشكيل نفسه، قبل أن تتبلور دولته الحديثة.
معهد السياسة والمجتمع