facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الكرك تنزف وجعاً .. والإخوة المسيحيون شركاء الوطن والمصير


محمد القرارعة
24-10-2026 07:49 PM

ليس هناك ما هو أشد إيلاماً على النفس من أن تمتد يد الإرهاب إلى الأبرياء، وأن تستهدف الإنسان في لحظات يفترض أن تكون عنواناً للسكينة والإيمان والطمأنينة. إن الحادث الإرهابي المؤسف الذي شهدته محافظة الكرك يشكل جرحاً عميقاً في وجدان الأردنيين جميعاً، ويستدعي وقفة وطنية صادقة تتجاوز مشاعر الحزن والإدانة إلى التأكيد على الثوابت التي قام عليها المجتمع الأردني، وفي مقدمتها الوحدة الوطنية، والتآخي الديني، واحترام كرامة الإنسان وحقه في الحياة والأمان.

إن استهداف الإخوة المسيحيين، أو الاعتداء على أي مواطن أردني بسبب دينه أو معتقده، يمثل جريمة مرفوضة بكل المعايير الدينية والإنسانية والوطنية. فالمسيحيون في الأردن ليسوا ضيوفاً على هذه الأرض، ولا مكوناً طارئاً على تاريخها، بل هم جزء أصيل من نسيجها الاجتماعي، وشركاء في مسيرتها الوطنية، ساهموا مع إخوانهم المسلمين في بناء الدولة الأردنية، والدفاع عن أمنها واستقرارها، وإثراء حياتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. وقد أثبتت التجربة الأردنية عبر عقود طويلة أن المواطنة الحقيقية لا تعرف التمييز، وأن الانتماء إلى الوطن هو الرابط الذي يجمع الجميع تحت مظلة واحدة.

إن الكنائس والمساجد في الأردن ليست مجرد أماكن للعبادة، بل هي رموز لحرية الإيمان وكرامة الإنسان، وشواهد على تاريخ من التعايش والتآخي بين أبناء المجتمع الواحد. ومن هنا، فإن الاعتداء على الإخوة المسيحيين لا يمكن النظر إليه بوصفه استهدافاً لفئة بعينها، بل هو اعتداء على قيم الأردن وهويته الوطنية، ومحاولة مرفوضة للنيل من نموذج اجتماعي قام على الاحترام المتبادل والتعاون والتكافل.

ولعل أكثر ما يميز الأردن في أوقات المحن أن أبناءه يدركون جيداً أن ما يجمعهم أكبر بكثير مما قد يحاول أصحاب الفكر المتطرف استغلاله لتفريقهم. فالأردنيون، مسلمين ومسيحيين، تجمعهم الأرض والتاريخ والمصير المشترك، وتقف بينهم روابط الأخوة والجيرة والمصاهرة والعمل المشترك، وتوحدهم راية وطن لا يقبل أن يكون الدين سبباً للفرقة أو الكراهية.

لقد كانت الكرك، عبر تاريخها، عنواناً للكرامة الوطنية والمواقف المشرفة، وهي اليوم في حزنها ليست وحدها؛ فمصابها مصاب كل الأردنيين، والألم الذي أصاب أهلها وصل إلى كل بيت أردني، بصرف النظر عن الدين أو المنطقة أو الخلفية الاجتماعية. وفي مثل هذه اللحظات، تتجلى حقيقة المواطنة، حين يشعر المسلم أن الاعتداء على أخيه المسيحي اعتداء عليه، ويشعر المسيحي أن أمن أخيه المسلم جزء لا يتجزأ من أمنه وطمأنينته.

إن الإرهاب لا يمثل ديناً، ولا يعبر عن عقيدة سماوية، بل هو فكر منحرف يتغذى على الكراهية ويسعى إلى استبدال لغة التعايش بلغة العنف، وتحويل الاختلاف إلى صراع. ولذلك، فإن مواجهته لا تقتصر على الإجراءات الأمنية وحدها، رغم أهميتها، بل تتطلب أيضاً تعزيز الوعي الوطني، وترسيخ ثقافة التسامح، وتربية الأجيال على احترام الآخر، وحماية النسيج الاجتماعي من الشائعات والتحريض ومحاولات بث الفتنة.

وفي هذه الظروف المؤلمة، تبرز أهمية الوقوف إلى جانب أسر الضحايا والمصابين، وتقديم الدعم الإنساني والمعنوي لهم، والتأكيد أن الدولة والمجتمع يقفان معاً في مواجهة الجريمة، وأن العدالة ستأخذ مجراها من خلال مؤسسات القانون، بعيداً عن الانفعالات أو الأحكام المسبقة. فحماية المواطنين جميعاً، وصون كرامتهم وحقوقهم، مسؤولية وطنية لا تقبل التجزئة.

إن الرسالة التي ينبغي أن يسمعها العالم من الكرك، ومن الأردن كله، هي أن المسيحيين والمسلمين أبناء وطن واحد، وأن أي محاولة لضرب العلاقة بينهم ستصطدم بوعي مجتمع يعرف قيمة وحدته، ويدرك أن قوة الأردن كانت وستبقى في تماسك أبنائه، وفي إيمانهم بأن الاختلاف الديني لا ينتقص من المواطنة، بل يثري المجتمع حين تحكمه المحبة والاحترام وسيادة القانون.

إن الإخوة المسيحيين في الأردن ليسوا مجرد شركاء في الوطن، بل هم إخوة في التاريخ والمصير، وشركاء في الحاضر والمستقبل. ولن تكون جريمة إرهابية، مهما بلغت قسوتها، قادرة على تغيير حقيقة راسخة في وجدان الأردنيين: أن هذا الوطن يتسع للجميع، وأن كرامة مواطنه واحدة، وأن أمنه واحد، وأن مصيره واحد.

رحم الله ضحايا هذا الحادث الأليم، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل، وحفظ الأردن وأهله من كل مكروه.

سيبقى الأردن وطناً واحداً، وشعباً واحداً، وأسرة واحدة؛ وستظل وحدته الوطنية خطاً أحمر، لا تهزه جريمة، ولا تنال منه فتنة، ولا تكسره دعوات التطرف والكراهية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :