الخطر الأكبر في الحرب القائمة
أ. د. عبدالسلام النابلسي
24-10-2026 07:46 PM
منذ اندلاع المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في أواخر شباط من عام 2026، والمنطقة بأسرها تعيش على وقع تصعيد متواصل لم تهدأ وتيرته حتى اللحظة. فقد شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حينها هجمات واسعة طالت قيادات الصفين الأول والثاني في إيران، وفي مقدمتهم المرشد الأعلى، كما طالت البنية التحتية الإيرانية بشكل عام، بما في ذلك منشآت عسكرية ونووية وصناعية. وجاء الرد الإيراني سريعاً وموجعاً، إذ استهدفت طهران القواعد الأمريكية في المنطقة، وطالت ضرباتها مطارات ومنشآت نفطية وحتى فنادق في دول مثل الإمارات والبحرين والكويت والسعودية، في مشهد غير مسبوق منذ عقود.
وقد استمرت الجولة الأولى من هذه الحرب أربعين يوماً، ردّت خلالها إيران بكل ما أوتيت من قدرة، فاستهدفت القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، وبعض المواقع التي مسّت أمن دول مجلس التعاون الخليجي وسيادتها. كما أنها وجّهت إلى الكيان الإسرائيلي ضربات قاصمة وعنيفة، إذ أمطرته بنحو ستمئة وخمسين صاروخاً طالت مدناً ومنشآت حيوية في عمقه، ومنها ديمونا وعراد، فسقط عشرات القتلى وآلاف الجرحى، وهُجّر الآلاف من بيوتهم، في مشهد لم يعرفه الكيان منذ تأسيسه. ولم تقف الجبهة عند هذا الحد، فقد دخل على خط المواجهة حزب الله من لبنان، والحوثيون من اليمن، بإرسال الطائرات المسيّرة والصواريخ التي طالت القواعد والمواقع العسكرية وبعض الأهداف الاستراتيجية داخل الكيان. ثم جاءت هدنة مؤقتة لم يُكتب لها أن تدوم طويلاً، وعادت نيران الحرب لتشتعل من جديد.
وفي مراحل التصعيد بين إيران وأمريكا، استطاعت إيران السيطرة على مضيق هرمز وإغلاقه، وهو ما أدى، إلى جانب الضربات التي تعرض لها خط أنابيب النفط شرق غرب، إلى تراجع كبير في تدفق الإمدادات النفطية من مصادرها في الخليج العربي باتجاه البحر الأحمر، وانعكس مباشرة على ارتفاع أسعار المواد النفطية في المنطقة والعالم، وأدى إلى اختناق العديد من الصناعات المرتبطة بها. ومن أخطر تداعيات هذه الجولة من الحرب أن إيران عمدت إلى زرع الألغام داخل مضيق هرمز، وأجبرت جميع السفن العابرة على السير ضمن مسار محدد تفرضه شروطها هي، لتحكم بذلك سيطرة شبه كاملة على حركة الملاحة ومصادر النفط في المنطقة، وتراجع حتى تصدير الغاز القطري بنسب كبيرة جداً. وكان لهذه الإغلاقات وما رافقها من ارتفاع في أسعار النفط واختناق في سلاسل الإمداد أثر بالغ على اقتصادات دول الخليج تحديداً، إذ شهدت الصناعات القائمة فيها وحركة الواردات والصادرات انخفاضاً كبيراً جداً.
وفي ظل استمرار الضغط الأمريكي الإسرائيلي المتواصل على إيران والضربات المتتالية والوعد الأمريكي بتوجيه ضربات قاضية، تلوح في الأفق مواجهة قادمة أشد خطورة، عنوانها هذه المرة الماء لا النفط. فإن الجولة القادمة والأعظم خطراً تكمن في محاولة استهداف إيران المحتمل لمحطات تحلية المياه في دول الخليج، وربما امتداد هذه الضربات إلى مناطق أخرى في المنطقة، بما يحمله ذلك من أثر مباشر وخطير على سكان هذه الدول،
وتكمن خطورة هذه الجولة المرتقبة في أن دول الخليج العربي تعتمد بشكل شبه كلي على محطات التحلية لتأمين مياه الشرب، فقطر تحصل على ما يقارب 99% من مياهها من التحلية، والكويت والبحرين نحو 90%، وسلطنة عُمان حوالي 86%، والمملكة العربية السعودية نحو 70%، بينما تعتمد الإمارات العربية المتحدة بنسبة تقارب 42%. وهذا يعني أن أي استهداف فعلي وواسع لهذه المحطات لن يكون مجرد ضربة اقتصادية، بل كارثة إنسانية مباشرة تهدد حياة ملايين المدنيين في هذه الدول، لا سيما في الدول الأصغر والأكثر اعتماداً على التحلية والأقل امتلاكاً لاحتياطيات استراتيجية من المياه، مثل قطر والبحرين والكويت. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المحطات قد طالتها بالفعل أضرار غير مباشرة في جولات سابقة من هذه الحرب، إذ تشير التقارير إلى تضرر مجمع الفجيرة إف 1 للطاقة والمياه في الإمارات، ومحطة دوحة الغربية للطاقة والتحلية في الكويت، جراء ضربات صاروخية ومسيّرات، وهو ما ينذر بأن استهداف هذه البنية التحتية الحيوية بشكل مباشر ومكثف لم يعد احتمالاً بعيداً، بل تطوراً واقعياً قد تشهده الجولة القادمة من هذه الحرب.
ولعل هذه هي أخطر جولة من جولات هذه الحرب على الإطلاق، فحين يُمسّ الأمن المائي لأي شعب، فإنما يُمسّ شريان الحياة ذاته، إذ لا بديل عن الماء ولا غنى عنه بأي حال من الأحوال. فالأمن المائي هو الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان قبل أي أمن آخر، وحين تتأثر حصة المواطن من المياه أو تنقطع عنه، فإن ذلك يتحول إلى مصيبة كبرى تهدد وجوده اليومي قبل أن تهدد اقتصاده أو استقراره.
أما الأردن، فإن القلق عليه، لا سمح الله، يكمن في الانعكاسات غير المباشرة لأي أزمة مائية تشهدها دول الخليج، فمثل هذه الأزمات قد تدفع أعداداً من الناس للبحث عن الأمان في مكان آخر، وللأردن في ذلك تجربة طويلة، إذ طالما استضاف موجات اللجوء المتعاقبة وتحمّل أعباءها، وبالتالي فإن الأردن يبقى الشماعة التي تحمل أعباء المنطقة كلها، مهما تعددت مصادر هذه الأزمات وتنوعت أشكالها.
ولا يمكن إغفال أن تداعيات هذه الحرب، حتى وإن دارت رحاها بعيداً عن الحدود الأردنية، ستنعكس حتماً على الاقتصاد الوطني. فدول الخليج العربي تشكل سوقاً رئيسية للعمالة الأردنية وللاستثمارات والتحويلات المالية التي يرسلها آلاف الأردنيين العاملين هناك، وأي اضطراب اقتصادي أو إنساني تشهده هذه الدول سينعكس سلباً على هذه التحويلات وعلى حركة التجارة والاستثمار بين الأردن ودول الخليج. كما أن الغليان الذي تشهده المنطقة أفقدها صفة البيئة الحاضنة للاستثمار، فلم تعد دول الشرق الأوسط، ومن ضمنها الأردن، وجهة جاذبة لرؤوس الأموال، بل غدت بيئة طاردة للاستثمار بفعل الأوضاع الأمنية والخوف من اتساع رقعة الحروب في المنطقة. يضاف إلى ذلك أن ارتفاع أسعار النفط والغاز المترتب على هذه الحرب سيثقل كاهل الاقتصاد الأردني المستورد للطاقة أصلاً، وينعكس على تكاليف الإنتاج والنقل والمعيشة اليومية للمواطن الأردني. وعلى الصعيد المجتمعي، فإن أي تدفق محتمل للقادمين من المنطقة قد يزيد الضغط على الخدمات والبنية التحتية والموارد المحدودة أصلاً، في بلد استضاف عبر عقود موجات متعاقبة من اللجوء. وبذلك تصبح هذه الحرب، وإن دارت رحاها بعيداً عن الحدود الأردنية، عبئاً اقتصادياً ومجتمعياً إضافياً يُضاف إلى سلسلة الأعباء التي طالما تحمّلها الأردن دون أن يكون طرفاً فيها.
إن المواجهة القادمة، إن وقعت، لن تكون كغيرها من جولات هذه الحرب، فهي لن تستهدف منشآت عسكرية ولا آبار نفط وحسب، بل ستستهدف شريان الحياة ذاته. وحين يصبح الماء سلاحاً في المعركة، فإن الخاسر الأكبر هم الشعوب الآمنة التي لا ناقة لها في هذه الحرب ولا جمل، من أطفال وشيوخ ونساء لا ذنب لهم سوى أنهم يعيشون على أرض تقع في قلب العاصفة. فالنفط يمكن تعويضه، والأسواق يمكن أن تتعافى، أما العطش فلا يعرف حدوداً ولا يفرق بين أحد، وهو أقسى ما قد يواجهه الإنسان في معركته مع الحياة.
ومن هنا فإن المسؤولية الأخلاقية والإنسانية تقتضي من المجتمع الدولي بأسره أن يتحرك قبل فوات الأوان، وأن يعتبر محطات المياه خطاً أحمر لا يجوز المساس به تحت أي ظرف، فالقانون الدولي الإنساني يحرّم استهداف المنشآت والموارد الضرورية لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة. أما الأردن، فسيبقى كعادته سنداً لأشقائه وملاذاً آمناً لمن يطرق بابه، قيادةً وشعباً، صامداً بحكمة قيادته وصلابة أهله، لا يتخلى عن عروبته ولا عن كرمه مهما اشتدت العواصف.
لكن للصبر حدوداً، ومن حق الأردن أن يتساءل بصوت عالٍ: إلى متى تبقى المنطقة تدفع ثمن حروب الآخرين؟ وإلى متى يبقى الأردن يتحمل أعباءها وهو لم يكن يوماً طرفاً فيها؟ إن حرب الماء إن اندلعت فلن يكون فيها منتصر، وسيدفع ثمنها الجميع، فلتحكم العقول قبل أن تتكلم المدافع، ولتبقَ الحياة أغلى من كل الحسابات.