مكافحة الإرهاب تبدأ من إصلاح التعليم وتمكين الشباب
أ.د احمد منصور الخصاونة
26-10-2026 07:16 PM
إن الطريقة الأعمق والأكثر استدامة لمكافحة الإرهاب والتطرف هي العلم؛ فبالعلم ترتقي الأمم، وبالمعرفة تُبنى الحضارات، وبالتعليم تتحرر العقول من الجهل والتعصب والأفكار الظلامية. فالإرهاب لا يُهزم بالقوة وحدها، بل يُهزم أيضًا ببناء الإنسان، وتوفير الفرص، وفتح أبواب الأمل أمام الشباب.
بالعلم تُفتح المعامل والمختبرات والمصانع، وتدور عجلة الإنتاج، وتنشأ المشاريع، وتُخلق فرص العمل. وبالعلم نمنح الشباب القدرة على الإبداع والمشاركة في بناء أوطانهم، بدلًا من تركهم فريسة للإحباط والتهميش والأفكار المتطرفة. فالشاب الذي يجد تعليمًا نوعيًا، وفرصة عمل كريمة، وبيئة تحتضن أفكاره ومواهبه، هو شريك في التنمية وحصن في وجه التطرف.
لكن الوصول إلى هذه الغايات لا يتحقق بالشعارات، وإنما يبدأ بالتخطيط السليم للمناهج والخطط الدراسية، ومراجعة التخصصات الجامعية، واستحداث البرامج التي تلبي احتياجات سوق العمل، وتستشرف وظائف المستقبل. كما يتطلب تعظيم دور ريادة الأعمال والابتكار، وتحويل الأفكار إلى مشاريع إنتاجية حقيقية، وتوفير التمويل والإرشاد والحاضنات التي تساعد الشباب على تأسيس أعمالهم وتحويل طموحاتهم إلى إنجازات ملموسة.
وهنا تبرز الحاجة إلى مراجعة جادة لواقع المبادرات الموجهة للشباب في الأردن. فما نشهده أحيانًا من لقاءات وورش عمل تحمل عناوين جذابة وشعارات براقة لا يرقى إلى مستوى الطموحات، إذا انتهت بانتهاء الفعاليات، دون نتائج قابلة للقياس، أو مشاريع مستدامة، أو فرص عمل حقيقية. إن دعم الشباب ليس صورة تذكارية، ولا مؤتمرًا عابرًا، ولا خطابًا احتفاليًا؛ بل هو سياسة وطنية مستمرة، تُقاس نتائجها بما تحققه من فرص وإنجازات وتغيير حقيقي في حياة الشباب.
وإذا أردنا النهوض بالأردن، فعلينا إعادة النظر في مختلف جوانب حياتنا المؤسسية، وضخ دماء جديدة في مواقع القرار، وإرساء ثقافة تقوم على الكفاءة والإنجاز والمساءلة. فالمناصب مسؤولية وليست امتيازًا دائمًا، ومن لا يحقق تقدمًا ملموسًا في مؤسسته، سواء كانت جامعة أو دائرة أو وزارة، يجب أن يخضع تقييمه لمعايير واضحة، وأن تُتخذ بشأن استمراره في موقعه القرارات المناسبة وفق نتائج أدائه.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بوضع خطط استراتيجية واضحة، تتضمن أهدافًا محددة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وجداول زمنية للتنفيذ، وآليات مستقلة لمراقبة الإنجاز وتقييم النتائج. فلا قيمة لخطة لا تُنفذ، ولا جدوى من استراتيجية لا تخضع للمراجعة والمساءلة.
إن معركتنا ضد الإرهاب والتطرف هي، في جوهرها، معركة بناء الإنسان، وإصلاح المؤسسات، وتحقيق العدالة في الفرص. وبقدر ما نستثمر في العلم والشباب والإنتاج، ونربط المسؤولية بالمحاسبة، نقترب من أردن أقوى وأكثر ازدهارًا واستقرارًا. فالأوطان لا تنهض بكثرة الشعارات، بل بصدق الإرادة، وجودة التخطيط، وجرأة القرار، والقدرة على تحويل الكلام إلى إنجاز.