من الأسرة إلى الشارع: كيف نبني مجتمعًا يرفض العنف والتعصب
فؤاد الحوراني
28-10-2026 12:39 PM
عندما نتحدث عن التطرف، يتجه التفكير غالبًا إلى التطرف الديني أو الأيديولوجي، لكن التطرف قد يبدأ من سلوكيات يومية تتجسد في رفض الآخر، وفرض الرأي بالقوة، والاستهانة بحقوق الناس. فالتنمر في المدارس، والعدوانية في القيادة، والعنف داخل الأسرة، ليست بالضرورة دليلًا على التطرف، لكنها مؤشرات على خلل في ثقافة احترام الآخر وضبط النفس واحترام القانون.
إن مواجهة التطرف لا تبدأ عند ظهور الفكر المتشدد فحسب، بل تبدأ من الأسرة، ثم المدرسة، فالشارع، وصولًا إلى مؤسسات المجتمع كافة.
الأسرة والمدرسة: البداية الحقيقية
الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل كيفية التعامل مع الآخرين. فإذا نشأ في بيئة يسودها الصراخ والإهانة وفرض الرأي، فقد يعتقد أن القوة وسيلة طبيعية لحل الخلافات، وينقل هذه السلوكيات إلى المدرسة والمجتمع.
أما التنمر المدرسي، فهو ليس مجرد مزاح عندما يتحول إلى إهانة متكررة أو تهديد أو اعتداء. وخطورته لا تقتصر على إيذاء الضحية، بل تمتد إلى ترسيخ فكرة أن الأقوى يستطيع السيطرة على الأضعف دون محاسبة.
ولذلك، يجب ألا تقتصر مواجهة التنمر على المحاضرات التوعوية، بل ينبغي أن تعتمد المدارس آلية سرية للإبلاغ عن الحالات، وتحدد مسؤولًا لمتابعتها، وتشرك الأسرة في المعالجة، وتطبق إجراءات تربوية واضحة على المخالفين، مع حماية الطلبة المتضررين وتقديم الدعم اللازم لهم.
كما يجب تعزيز دور الأسرة من خلال برامج توعية عملية حول تربية الأبناء، وضبط الغضب، والحوار، واحترام الاختلاف، لأن القدوة اليومية أكثر تأثيرًا من النصائح المجردة.
القيادة العدوانية: سلوك يكشف خللًا في احترام القانون
من المشاهد اليومية التي تستحق التوقف عندها تعامل بعض السائقين مع الطريق وكأنه ساحة لإثبات القوة؛ من التجاوز الخطر، وملاحقة المركبات، والتهديد والاعتداء بسبب خلاف بسيط، إلى رفض احترام حقوق الآخرين.
هذه التصرفات لا تعني أن مرتكبيها متطرفون بالضرورة، لكنها تعكس استهتارًا بالقانون وسلامة الناس، وقد تتطور إلى عنف مباشر.
والمطلوب هنا هو الجمع بين التوعية والتطبيق العادل للقانون، والتركيز على المخالفات الخطرة والمتكررة، مع دراسة إمكانية إخضاع مرتكبي السلوك العدواني المتكرر لبرامج تأهيل تتناول إدارة الغضب والمسؤولية عن سلامة الآخرين. كما يمكن توجيه الرقابة المرورية إلى المواقع التي تكشف البيانات تكرار المخالفات الخطرة فيها.
التطرف ليس دينيًا فقط
إن حصر التطرف في الدين وحده خطأ في التشخيص والمعالجة؛ فقد يظهر في التعصب الفكري، والتحريض ضد فئات المجتمع، ورفض الاختلاف، والتمييز على أساس الأصل أو المنطقة أو الوضع الاجتماعي، والاعتقاد بأن القوة تمنح الإنسان حق الاعتداء على غيره.
ومن الضروري هنا التمييز بين السلوك العدواني والتطرف العنيف؛ فليس كل متنمر أو مخالف للقانون مشروع متطرف، لكن التساهل مع الإهانة والإقصاء والعنف قد يهيئ بيئة تتراجع فيها قيم التسامح والمسؤولية واحترام الإنسان.
لذلك، ينبغي أن تتكامل الوقاية الفكرية والتربوية مع تطبيق القانون، وأن تعزز المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية ثقافة الحوار والمواطنة واحترام الاختلاف.
خطة عملية قابلة للتطبيق في الأردن
بدل الاكتفاء بالشعارات والحملات الموسمية، يمكن إطلاق برنامج وطني مشترك يستفيد من المؤسسات القائمة، ويرتكز على إجراءات محددة:
في الأسرة: توفير برامج توعية عملية للوالدين حول التربية الإيجابية وضبط الغضب والتعامل مع السلوك العدواني.
في المدارس: تطبيق نظام واضح للإبلاغ عن التنمر، ومتابعة الحالات، وحماية الضحايا، ومحاسبة المتنمرين بإجراءات تربوية متدرجة.
في الشارع: تكثيف الرقابة على القيادة الخطرة والاعتداءات المرورية، ومعالجة السلوك العدواني المتكرر بالتوعية والتأهيل وتطبيق القانون.
على المستوى الوطني: تشكيل فريق تنسيقي من الجهات المعنية، بما فيها وزارات التربية والتعليم والتنمية الاجتماعية والأوقاف، ومديرية الأمن العام، والمجلس الوطني لشؤون الأسرة، لتحديد المسؤوليات ومتابعة التنفيذ.
لقياس النجاح: اعتماد مؤشرات واضحة، مثل تراجع تكرار التنمر، وتحسن شعور الطلبة بالأمان، وانخفاض السلوكيات المرورية الخطرة، بدل قياس النجاح بعدد الندوات والأنشطة.
ويجب أن تبدأ هذه الجهود بتقييم المشكلات القائمة، ثم تطبيق الإجراءات في مدارس ومناطق مختارة، وقياس النتائج، وتوسيع التجربة وفق ما تثبته من فاعلية.
العدالة أساس الوقاية
لا يمكن مطالبة المجتمع باحترام القانون إذا شعر أفراده بأن تطبيقه انتقائي، أو أن النفوذ يمنح البعض معاملة مختلفة. لذلك، فإن عدالة الإجراءات، والاستجابة للشكاوى، ومحاسبة المقصرين، واحترام المواطنين في المؤسسات، كلها عناصر أساسية لتعزيز الثقة والانتماء.
إن اجتثاث التطرف لا يتحقق بخطاب وعظي أو إجراء أمني منفرد، بل ببناء ثقافة يومية ترفض الإهانة والعنف، وتحترم القانون، وتقبل الاختلاف.
إذا أردنا حماية المجتمع الأردني من التطرف، فعلينا أن نبدأ من البيت الذي يتعلم فيه الطفل معنى القوة، والمدرسة التي يختبر فيها معنى الاختلاف، والطريق الذي يكشف مدى احترامنا لحقوق الآخرين.
فالمجتمع الذي يحترم الإنسان في تفاصيل حياته اليومية يكون أكثر قدرة على مواجهة الفكر المتشدد والعنف، وأكثر مناعة في حماية أمنه واستقراره ومستقبل أبنائه.