لا نريد إدارة التطرف .. نريد صناعة الحياة
د. صالح سليم الحموري
28-10-2026 07:47 PM
في قرية أردنية، يجلس مسلم ومسيحي يتقاسمان فنجان قهوة، ويتحدثان عن مواسم الزيتون وهموم الأبناء وأحلام الغد. لا يحتاج أحدهما إلى شهادة تسامح من الآخر؛ فالحياة جمعتهما قبل أن تُخترع المصطلحات التي تصف علاقتهما. لكن حين تمتد يد الكراهية إلى الأبرياء، لا تُزهق الأرواح وحدها، بل يُجرح ذلك الاطمئنان الذي بنته أجيال من الجوار والمواطنة.
وهنا يبرز السؤال: كيف تجد أفكار الكراهية طريقها إلى بعض العقول، بينما تمتلك الدولة مؤسسات التعليم والثقافة والشباب والإعلام، وتضع البرامج والاستراتيجيات لمواجهة التطرف؟
يطرح العلامة الدكتور نارت قاخون، في كتاباته حول جريمة كنيسة حمود، سؤالاً يتجاوز معرفة الجاني إلى فهم البيئة التي سمحت بنمو أفكاره. فإدانة الجريمة واجب، ومحاسبة مرتكبها ضرورة، لكن حماية المستقبل تتطلب شجاعة مساءلة الأسباب، دون تحويل الجريمة الفردية إلى اتهام جماعي.
ويذهب المفكر إبراهيم غرايبة إلى معادلة لافتة: الاعتدال هو الازدهار، والتطرف هو الفشل. فالإنسان الذي يجد فرصة للعمل والإبداع والمشاركة، ويرى لنفسه مكاناً في المستقبل، يصبح أكثر ارتباطاً بالحياة وأقل انجذاباً إلى خطابات الكراهية.
غير أن التطرف لا تفسره البطالة والفقر وحدهما. وتكشف دراسات الدكتور محمد أبو رمان، المتخصص في الحركات الإسلامية والتطرف، عن تداخل الأفكار والهوية والشعور بالحرمان وشبكات العلاقات في تشكيل مسارات التشدد. والمفارقة أنه انتقل من دراسة الظاهرة إلى موقع المسؤولية وزيراً للثقافة والشباب، وقد طُرح مقاربات وقائية لمواجهتها.
وهنا نسأل، لا لنوزع الاتهامات، بل لنطالب بالتقييم: إذا كنا نعرف الكثير عن أسباب التطرف، فلماذا لا نعرف بالوضوح نفسه نتائج سياساتنا في الوقاية منه؟
ويضيف الناقد الدكتور يوسف ربابعة بُعداً أكثر إزعاجاً حين يسخر من المناهج التي يتبادل الجميع اتهامها ويتبرؤون من مسؤوليتها، حتى تبدو وكأن "الجن" ألّفوها، ثم تُرك أبناؤنا ليدرسوها! وخلف السخرية سؤال جاد: من يتحمل مسؤولية ما نزرعه في عقول الأجيال؟ وهل نعلّم أبناءنا التفكير واحترام الاختلاف، أم الحفظ والخوف من السؤال؟
ويربط ربابعة قوة الدولة بامتلاك مشروع فكري وثقافي وعلمي، لا بمجرد إدارة الأحداث الطارئة. فالدولة التي تفتقر إلى رؤية فكرية جامعة قد تنشغل بإطفاء الأزمات، بدلاً من بناء المناعة التي تمنع نشوء بعضها.
والأخطر ما يسميه "ثقافة اللجم والرفس"؛ حين يعتقد كل طرف أنه يمتلك الحقيقة، وأن من حقه إسكات المختلف. فكيف نبني الاعتدال ونحن نربي أبناءنا على أن الاختلاف معركة، والحوار هزيمة، والصوت الآخر تهديد؟
إن التطرف لا يبدأ دائماً بسلاح؛ فقد يبدأ بكلمة تُجرّد الآخر من كرامته، أو خطاب يحتكر الوطنية والإيمان والحقيقة. لذلك لا يكفي أن نُعلّم أبناءنا رفض العنف، بل ينبغي أن نُعلّمهم قبول الاختلاف دون خوف أو إقصاء.
وفي لحظات الفاجعة، تصبح الوحدة الوطنية مسؤولية أخلاقية مضاعفة. فلا نعالج جريمة باتهام جماعة، ولا نحمي أبرياء بالإساءة إلى أبرياء آخرين. نحن لسنا طوائف متناحرة، بل مواطنون يجمعهم مصير واحد.
لسنا بحاجة إلى برامج تُقاس بعدد الحضور والصور المنشورة، بل إلى أثر يظهر في سلوك الشباب وثقتهم بالمؤسسات. نريد مدارس تُحرّر التفكير، ومراكز شبابية تحتضن الإبداع، وثقافة توسع الأفق، وعدالة تعزز الانتماء.
فالأمن يحمي المجتمع من الجريمة، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنح الإنسان معنى لحياته. المسؤولية الجنائية تقع على الجاني، أما مسؤولية بناء البيئة التي تقاوم الكراهية فتتشاركها المؤسسات والمجتمع.
لقد حان الوقت للانتقال من «إدارة البرامج» إلى «صناعة الأثر»، ومن تشتّت الجهود والمسؤوليات إلى منظومة وطنية متكاملة ترتبط مباشرة برئاسة الوزراء، وتضع جودة حياة الإنسان وكرامته وفرصه في قلب السياسات العامة.
فمواجهة التطرف لا تبدأ بالسؤال:
كيف نمنع الشاب من الانحراف؟
بل بسؤال أكثر عمقاً وإنسانية:
كيف نصنع له حياة تستحق أن يحبها، ومستقبلاً يؤمن به، ووطناً يشعر فيه بقيمته، فيحترم حياته وحياة الآخرين؟
فالأوطان لا تنتصر على التطرف حين تُسكت أصوات الكراهية فحسب، بل حين تُعلي أصوات العقل، وتفتح أبواب الأمل، وتجعل الاختلاف مصدر غنى لا سبباً للعداء.
وبيني وبينكم... لا نريد جيلاً يتعلم كيف يُلجم غيره، بل جيلاً يعرف كيف يحاوره، ولا نريد مؤسسات تتبادل المسؤولية عن عقول أبنائنا، بل مؤسسات تتنافس على بناء مستقبلهم.
.
لا نريد إدارة التطرف... نريد صناعة الحياة.