facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




لنقلب يوم الفاجعة إلى يوم حياة !


الاب بشير بدر
27-10-2026 09:16 PM

اقد لا يملك الأردن آبار نفط يتدفق منها الذهب الأسود ولا ثروات طبيعية تجعله في مصاف الدول الغنية بالموارد. لكنه يملك ثروة لا تُقاس ببراميل النفط، ولا تُقدَّر بأسعار المعادن، ولا تستطيع خزائن العالم أن تشتريها إذا ضاعت: إنها حالة الأمن والسلام، ونعمة العيش معًا بكرامة وطمأنينة.

الأردن، هذا الوطن الذي تعلّم كيف يصنع من محدودية موارده قوة، ومن صعوبة جغرافيته حضوراً، ومن التحديات اليومية حكمة. عرف أن ثروته ليست فيما تختزنه أرضه بل فيما تختزنه قلوب أبنائه وبناته من محبة وانتماء، وفيما تنعم به بيوته من طمأنينة، وكنائسه ومساجده من حرية عبادة، وشوارعه من حياة، ومدارسه من أحلام، وأطفاله من حق في أن يكبروا دون خوف.

فما قيمة النفط إذا صار الإنسان يخاف على حياته؟ وما قيمة المال إذا فقد الأب طريق العودة إلى بيته مطمئنًا؟ وما قيمة العمران إذا سكن الرعب قلوب ساكنيه؟ وما قيمة الشعارات إذا أصبح المواطن يخشى جاره، أو يخاف من اختلافه، وما قيمة الايمان إذا تحوّل مكان عبادته من بيت للصلاة إلى مكان للفاجعة؟

الأمن والسلام ثروتنا. ولكن هذه الثروة لا تدوم تلقائيًا ولا تتضاعف بالتمنيات بل بالوعي والمسؤولية. إنها تحتاج إلى دولة قوية بمؤسساتها، ومجتمع متماسك بأبنائه، وعدالة لا تتهاون مع الجريمة، وتربية لا تتسامح مع خطاب الكراهية، وإيمان حقيقي يكرّم الحياة ويحترم الإنسان.

فالأمن ليس تفصيلًا عابرًا في حياة الشعوب، والسلام ليس كلمة جميلة نرددها في المناسبات. الأمن هو أن يمضي الإنسان إلى عمله دون خوف، وأن تجتمع العائلة حول مائدة واحدة بعد عناء نهار للقاء المحبة، وأن يرفع المؤمن صلاته بحرية، وأن نختلف دون خلاف ولا كراهية او عنف. وأن يبقى الوطن بيتًا يتسع لجميع أبنائه وبناته على اختلاف أديانهم وأصولهم وآرائهم.
والسلام ليس غياب حالة الحرب فقط. والسلام ليس ضعفًا، بل هو قوة العقل حين ينتصر الجهل وقوة الحكمة حين تنتصر على الغضب، وقوة القلب حين يرفض الحقد، وقوة المجتمع حين يحمي كرامة الإنسان وقوة الدولة حين تحكم بالقانون والعدل. ومن هنا فالأمن والسلام ليسا مسؤولية الأجهزة المختصة وحدها، على أهمية دورها، بل هو أيضًا مسؤولية كل مواطن يرفض التحريض، وكل أسرة تربي أبناءها على احترام الآخر، وكل معلم يزرع في نفوس طلابه قيمة الحياة واحترام الاختلاف، وكل رجل دين يجعل من الإيمان طريقًا للمحبة لا ذريعة للكراهية.

فلا تسرقوا منا هذه النعمة!
فلا تسرقوا من الأردن طمأنينته باسم أي فكر وسلوك متطرف. ولا تزرعوا في أرضه بذور الكراهية باسم الدين، ولا تجعلوا الاختلاف بابًا للعداوة، ولا تسمحوا للعنف أن يهدد ما بنته أجيال من الأردنيين بالتعب والصبر والتضحيات.
لا تسرقوا من الأطفال فرح الشعور بأن العالم مكان آمن، ولا من الأم والأب حقهما في الفرح بنجاح أبنائهما، ولا من المؤمن حقه في الصلاة دون خوف، ولا من المواطن ثقته بأن القانون يحميه وأن كرامته مصانة.
ولا تسرقوا من الأردن صورته التي نحب: وطنًا يلتقي فيه أبناؤه مسلمين ومسيحيين على الخير والمحبة كما يتجاور فيه المسجد والكنيسة. ووطناً تجمع أبناءه روابط الأرض والتاريخ واللغة والعادات والتقاليد والجيرة والمصير المشترك. فهذه كلها ليست مجرد صورة جميلة نتخيلها ، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية علينا أن نحميها كل يوم، بالفعل والحق لا بالكلام والشعارات.

زرت يوم أمس بيت العزاء في حمود- الكرك، هناك شعرت ولمست ورأيت حقيقة الأردن الوطن الجامع المتآخي. وكنت أفكر كيف يمكننا أن نديم هذه الحالة من الوجدان الوطني الأردني . وعندما زرت عائلات الشهداء للتعزية، كان السؤال الأول والمطلب الوحيد هو معرفة لماذا قتلوا ؟ وكان ردي أن علينا أن نعمل على ألا يضيع موت أحبائهم في طي النسيان وألا يذهب موتهم هباءً.

لذلك، وبعيداً عن أي ردود فعل عشوائية لا تفيد شيئا، نريد لشهادتهم أن تخلق صحوة تدوم وتصنع التغيير للأفضل . فإنني أدعو إلى العمل بهدوء وعزم على قلب ذكرى هذا اليوم المشؤوم من تاريخ الأردن ليصبح ذكرى حياة لا موت. فلنجعل من يوم موت أبناء الأردن الشهداء بذاراً طيباً للحياة والمحبة والتآخي والسلم الوطني. من هنا، أدعو إلى تكريس يوم ٢٣/ ١٠ ليصبح يوما وطنياً تقام فيه الفعاليات والأنشطة والمبادرات المتنوعة على مختلف المستويات الوطنية الرسمية والشعبية لئلا يبقى ذكرى سنوية حزينة على الوطن.

في يوم الجريمة النكراء، أعلن جلالة الملك أن ما حصل هو اعتداء على كل الأردن وكل الأردنيين. فيا بنات وأبناء الأردن، لنحم وطننا ولنحفظ أغلى ما لديه. لنحفظ أمنه، ونصون سلامه، ونحمي وحدته ونهدم جدران الكراهية ونمد جسور المحبة والعيش المشترك. ولا نسمح للكراهية أن تنتزع منا أجمل وأغلى ما نملك: نعمة أن نعيش ونفرح وننجح ونبني ونصلي في وطن نراه بيتنا الكبير الآمن يرعاه ملك نحسبه رب بيت محبا لجميع أبنائه وبناته.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :