موسى حجازين يرد على يزن خواص: كلماتك تفوق استحقاقي .. وأفوض أمري إلى الله
26-10-2026 10:48 PM
عمون - خاص - ردّ الفنان الأردني القدير موسى حجازين على الإعلامي يزن خواص، عقب المقالة التي نشرها خواص بعنوان «موسى حجازين.. لا تحاكموا رجلاً مريضاً على غياب جسده»، والتي دافع فيها عن الفنان القدير، مستذكراً مسيرته الفنية ومواقفه الإنسانية والوطنية، وداعياً إلى إنصافه وتقدير ما قدمه للأردنيين.
ووجّه حجازين رسالة مؤثرة إلى خواص، قال فيها: «أخي الأستاذ الفاضل يزن خواص، حفظك الله ورعاك، اسمح لي بأن لا أقول لك شكرًا على ما يحمله قلبك من تواضع، ومن محبة صادقة».
وأضاف حجازين أنه يفوض أمره إلى الله ليشكر خواص بصحته وأهله وبيته وعمله، مشيراً إلى أن العبارات والكلمات التي كتبها خواص تفوق استحقاقه، واختتم رسالته بالقول: «حفظك الله لأهل بيتك وللوطن. شكرًا أخي يزن الإنسان الوفي النبيل».
وكان خواص قد أكد في مقالته أن غياب حجازين عن عزاء شهداء الكرك، بسبب ظروفه الصحية، لا يجوز أن يكون سبباً للإساءة إليه أو التشكيك في محبته للكرك والأردن، مستذكراً مواقفه الإنسانية مع زملائه الفنانين، وفي مقدمتهم الفنان ربيع شهاب، ومطالباً بتكريم حجازين بوسام خاص تقديراً لمسيرته الفنية والإنسانية.
وفيما يلي النص الكامل للمقالة التي كتبها الإعلامي يزن خواص:
*موسى حجازين.. لا تحاكموا رجلاً مريضاً على غياب جسده*
سمعة لا يحتاج إلى شهادة حسن سيرة وانتماء من أحد.
ولا يحتاج اليوم إلى أن يثبت لأحد أنه ابن الكرك، ولا أن يثبت أنه ابن الأردن، ولا أن يثبت أنه كان طوال عمره واحدًا من أكثر الفنانين الذين التصقوا بالناس وبوجعهم وبهمومهم.
لكن يبدو أننا أصبحنا ننسى بسرعة.
ننسى من وقف معنا عندما كان الوقوف مكلفًا.
ننسى من بكى على وجع الناس.
ننسى من قال للحكومات ما كان كثيرون يخافون من قوله.
وننسى، للأسف، أن الإنسان قد يمرض، وأن الجسد الذي كان يركض بين الناس طوال عمره قد يعجز في لحظة عن حمل صاحبه إلى المكان الذي يريد الوصول إليه.
اليوم، هناك من عاتب موسى حجازين لأنه لم يذهب إلى عزاء شهداء الكرك.
والعتاب مفهوم، لأن الكرك موجوعة، والفاجعة كبيرة، والناس تريد أن ترى أبناءها إلى جانبها.
لكن أن يتحول العتاب إلى إساءة أو تجريح أو تشكيك في محبة موسى للكرك، فهذا ما لا أقبله.
موسى نفسه قالها بوضوح: الشهداء إخوة وأحبة، ومنهم زملاء دراسة وأصدقاء عمر وأهل وأنسباء، وأن غيابهم أوجع قلبه كما أوجع قلوب الأردنيين، لكنه لم يستطع المشاركة بسبب ظروفه الصحية، بعدما أصيب بنزيف دماغي قبل تسع سنوات وما زال يعاني من مضاعفاته.
فماذا تريدون منه أكثر من ذلك؟
هل تريدون منه أن يخرج بجسده المريض حتى يثبت أن قلبه مع الكرك؟
يا ناس...
القلب لا يحتاج إلى سيارة.
القلب لا يحتاج إلى جنازة حتى يصل.
والوجع لا يُقاس بعدد الخطوات التي قطعها الإنسان.
موسى حجازين أصيب بجلطة ونزيف دماغي، وما زال يحمل آثار المرض.
هذا ليس موسى الذي عرفناه على المسرح.
ليس موسى الذي كان يقف ساعات ويضحك الأردنيين.
ليس موسى الذي كان يتحرك بين الناس بلا تعب.
هذا إنسان أصابه المرض، ومع ذلك بقي قلبه يعمل.
فلماذا نطالبه اليوم أن يثبت ما أثبته طوال عمره؟
اسألوا ربيع شهاب عن موسى.
اسألوا ربيع عن الرجل الذي لم يتركه عندما اشتد عليه المرض.
قبل سنوات، وقف موسى إلى جانب ربيع شهاب، ولم يتعامل معه باعتباره مجرد زميل فنان. وقف إلى جانبه عندما كان المرض قد أقعده وأبعده عن الفن.
وعندما تحدث موسى عن ربيع، لم يستطع أن يخفي وجعه، وتحدث عن كرامته وحقه، حتى غلبته دموعه في حفل أقامته أخبارنا نت برعاية رئيس مجلس الأعيان دولة فيصل الفايز.
هذا هو موسى الذي نعرفه.
موسى الذي لا يستطيع أن يرى وجع إنسان ويسكت.
موسى الذي بكى على ربيع شهاب.
موسى الذي بكى على فنانين أردنيين كثيرين.
موسى الذي بكى من وجع الناس.
موسى الذي كان يسخر من قرارات الحكومات وسياساتها، ليس لأنه يكره وطنه، بل لأنه كان يرى أن الفنان الحقيقي يجب أن يكون إلى جانب المواطن.
كان يضحك الأردنيين، لكنه في الحقيقة كان يقول أشياء موجعة.
كان يجعلنا نضحك على واقعنا حتى لا نبكي منه.
وهذا الرجل تحديدًا لا يجوز أن نكافئ تاريخه اليوم بالإساءة إليه.
ثم دعوني أقول شيئًا آخر.
موسى حجازين، المسيحي الأردني، لم يكن يومًا بحاجة إلى أن يشرح لأحد معنى المواطنة.
هذا الرجل عاش الأردن كما يجب أن يعيش الأردني وطنه.
مسيحي يصلي في كنيسته، ويجلس إلى جانب المسلم، ويقف معه، ويضحك معه، ويبكي معه.
ولنتذكر أيضًا موقفًا لا يمكن أن ينساه من عرف موسى حجازين جيدًا؛ المسيحي الأردني الذي صلى صلاة الجمعة إلى جانب أخيه المسلم في وسط البلد، في وقت كان فيه الحراك الأردني يرفع صوته في وجه الحكومات وقراراتها.
لم يسأل يومها من يقف إلى جانبه عن دينه، ولم تكن الهوية بالنسبة له جدارًا يفصل الأردني عن أخيه الأردني.
وقف في المكان الذي كان يرى أن عليه أن يكون فيه، إلى جانب الناس، إلى جانب الوطن، وإلى جانب صوت الأردنيين.
تلك هي قصة موسى حجازين التي يجب أن نتذكرها اليوم قبل أن نحاسبه على غياب جسده عن عزاء.
هذه ليست قصة طائفة.
هذه قصة أردن.
وهذا هو الأردن الذي نريده.
الأردن الذي لا يسأل موسى: لماذا أنت مسيحي؟
ولا يسأل المسلم: لماذا أنت مسلم؟
بل يسأل فقط:
هل أنت أردني؟
وموسى أردني حتى النخاع.
ومن الكرك.
والكرك ليست بالنسبة له خبرًا يقرأه على شاشة.
الكرك ذاكرته.
الكرك طفولته.
الكرك دراسته.
الكرك أصحابه.
الكرك ناسه الذين يعرف أسماءهم ووجوههم.
ومنذ بداية هذه الفاجعة، أنا على يقين أن موسى لا يعيش حياته بشكل طبيعي.
موسى لا ينام كما ينام الناس.
ولا يأكل كما يأكل الناس.
فكل اسم من أسماء الذين رحلوا يمكن أن يعيد إلى ذاكرته وجهًا يعرفه، وصديقًا، وزميل دراسة، وإنسانًا عاش معه جزءًا من عمره.
وقد قال بنفسه إن من بين الشهداء زملاء دراسة وأصدقاء عمر وأهلًا وأنسباء.
فكيف نطلب من قلبه أن يكون باردًا؟
وكيف نتهمه لأنه لم يستطع أن يحمل جسده إلى الكرك؟
هل نحتاج إلى طبيب دماغ وأعصاب حتى نفهم حالة موسى أكثر؟
هل نحتاج إلى تقرير طبي حتى نصدق أن الرجل مريض؟
أم أننا نحتاج فقط إلى قليل من الرحمة؟
أنا أقولها بوضوح:
احترموا موسى حجازين.
لا أطلب منكم أن تقدسوه.
ولا أطلب أن تمنعوا الناس من عتابه.
لكنني أطلب أن تتذكروا من هو الرجل الذي تعاتبونه.
هذا فنان كوميدي عريق.
هذا رجل حمل هموم الأردنيين إلى المسرح والتلفزيون.
هذا رجل جعل الناس تضحك في أصعب الظروف.
هذا رجل وقف مع زملائه عندما مرضوا.
هذا رجل بكى على ربيع شهاب عندما كان ربيع بحاجة إلى من يبكي معه.
هذا رجل لم يتخلَّ عن الأردن عندما كان انتقاد الحكومات أسهل من الصمت.
وهذا اليوم رجل مريض.
فلا تجعلوا مرضه تهمة.
ولا تجعلوا غياب جسده دليلًا على غياب قلبه.
وإلى الأحبة في الديوان الملكي العامر.
إلى السيدة ريم الجازي.
إلى معالي علاء البطاينة.
وإلى معالي يوسف العيسوي، أبو الحسن، الذي عرفه الأردنيون حاضرًا في مناسبات الحزن قبل الفرح، وقريبًا من الناس في مصابهم:
موسى حجازين يستحق أن يُلتفت إليه.
ليس اليوم فقط.
بل منذ سنوات.
هذا الرجل الذي أضحك الأردنيين يستحق أن يشعر بأن الدولة التي أحبها لم تنسه عندما أتعبه المرض.
وأقولها أكثر من ذلك:
موسى حجازين يستحق وسامًا خاصًا.
ليس لأننا نريد أن نكافئ فنانًا على نكتة.
بل لأننا نتحدث عن مسيرة إنسان وفنان ترك بصمة في وجدان الأردنيين.
تكريم موسى اليوم، وهو حي، سيكون أجمل بكثير من أن نتذكره يومًا ونقول: كان هنا فنان عظيم اسمه موسى حجازين.
لا تنتظروا الغياب حتى نعرف قيمة الحضور.
ولا تنتظروا المرض حتى نسأل عن المريض.
ولا تنتظروا العزاء حتى نكتشف أن صاحب القلب الكبير كان يعيش عزاءه وحده.
موسى حجازين في بيته عزاء أيضًا.
عزاء على أحبتي في الكرك الذين بكى من أجلهم.
عزاء على أصدقاء رحلوا.
عزاء على الأردن وفلسطين عندما يوجعه شيء.
وربما كان أكبر عزاء فيه أنه أصبح مضطرًا اليوم لأن يشرح للناس لماذا لم يستطع أن يكون بينهم.
يا موسى...
لا تشرح أكثر.
يكفي أنك قلت إن الغياب غياب الجسد، لا غياب القلب والوجدان.
نحن نعرف قلبك.
ونعرف وجدانك.
ونعرف أنك ابن الكرك وابن الأردن.
والكرك التي عرفتك طفلًا وفنانًا ورجلًا، تعرف أنك لم تتخلَّ عنها.
فيا أردنيين، لا تحاكموا موسى حجازين على مكان كان يتمنى أن يكون فيه، وانظروا إلى كل الأماكن التي كان فيها عندما احتاجه الناس.
هذا هو الإنصاف.
وهذا هو الوفاء.
وهذا هو الأردن الذي نريد أن يبقى.
الأردن الذي لا يترك أبناءه عندما يمرضون.
والأردن الذي لا ينسى من أضحكه عندما كان الحزن ثقيلًا.
والأردن الذي يعرف أن موسى حجازين ليس مجرد فنان... بل ذاكرة