حمود .. وجع الكرك ومسؤولية الدولة
جهاد المنسي
26-10-2026 12:23 AM
لم تكن حمود، تلك القرية الوادعة في محافظة الكرك، تتوقع أن يدخل الرصاص إلى مشهد حزنها، وأن يتحول تشييع إحدى بناتها لفاجعة يسقط فيها قتلى وجرحى، فالقرية التي اعتاد أهلها هدوء الحياة وبساطتها، وجدت نفسها فجأة أمام حدث قاسٍ، لا يشبه طبيعتها ولا وجوه ناسها، ويطرح أسئلة تتجاوز حدود المكان إلى مسؤولية الدولة والمجتمع في حماية الإنسان وصون أمنه.
على مدى سنوات عمري كنت قد زرت حمود، والسماكية والربة، وادر، وتجولت في تلك القرى التي تحتفظ بشيء من روح الريف الأصيل، والتقيت أهلها، واستمعت لأحاديثهم، واقتربت من تفاصيل حياتهم، هناك لا تشعر أنك أمام مجتمعات مختلفة، وإنما أمام أردنيين تشبه همومهم هموم بقية أبناء الوطن، وتجمعهم بأرضهم علاقة عميقة، وبجيرانهم وشائج لا تختصرها الاختلافات الدينية.
عرفت شخصيات كثيرة وزملاء ورفاق ربطتني بهم وشائح مختلفة مبنية على الود والاحترام والصداقة، في حمود والسماكية والربة وادر، للبيوت حكاياتها، وللعائلات تاريخها، وللناس طريقتهم البسيطة في التعبير عن محبتهم للمكان وانتمائهم إليه.
والمسيحيون في هذه القرى ليسوا طارئين على جغرافيتها، بل جزء أصيل من تاريخها الاجتماعي والوطني، وقد تشكلت علاقاتهم مع محيطهم عبر أجيال من الحياة والعمل والمشاركة في الأفراح والأحزان، ولذلك فإن الاعتداء على مشيعين في الكنيسة لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد واقعة جنائية عابرة، فثمة حرمة للموت، وحق للناس في أن يودعوا أحبتهم بأمان، دون أن يتحول مكان العزاء لمسرح للعنف، وما حدث يفرض إدانة قاطعة للفعل، ومحاسبة مرتكبيه، وكشف ظروفه ودوافعه كاملة دون استباق لنتائج التحقيق، فالمسيحي ليس ضيفاً في وطنه، ولا يحتاج إلى من يمنحه حق الانتماء، إنه شريك أصيل في الأرض والدولة والتاريخ، والمواطنة لا تتجزأ ولا تخضع لموازين العدد أو الانتماء الديني، وهذه ليست عبارة للمجاملة، بل أساس ينبغي أن ينعكس في التشريعات والممارسات والخطاب العام.
ولهذا فما جرى يضع الجميع أمام مسؤولية لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، ولا تنتهي عند القبض على الفاعلين، فالدولة مسؤولة عن حماية حياة مواطنيها، وعن منع أي تهديد لأمنهم، وتوفير الضمانات التي تجعل الإنسان مطمئناً، وهذه المسؤولية لا يمكن اختزالها بالجانب الأمني، على أهميته، فهناك مسؤولية أخرى تتعلق بقدرة المؤسسات على التقاط مؤشرات العنف والتطرف، ومواجهة خطاب الكراهية والتحريض، ومراجعة ما قد يسمح للأفكار الإقصائية بالتسلل إلى المجتمع، إذ لا يجوز أن ننتظر وقوع المأساة كي نكتشف أن الوقاية كانت ممكنة، أو أن إشارات الخطر لم تحظَ بما تستحقه من اهتمام.
والحديث عن مسؤولية الدولة لا يعني تحميل مؤسساتها نتائج فعل إجرامي قبل معرفة ملابساته، وإنما التأكيد أن حماية المجتمع وظيفة مستمرة، وأن قوة الدولة لا تقاس فقط بسرعة استجابتها للحوادث، بل أيضاً بقدرتها على منع تكرارها، وترسيخ ثقة المواطنين بأن أمنهم وحقوقهم ليست موضع مساومة.
وهنا لا بد من مساءلة أوسع لدور المدرسة والجامعة والإعلام في بناء ثقافة تحترم الإنسان، وتحصن الأجيال من الأفكار التي تبرر العنف، فالدولة التي تريد حماية مجتمعها لا يجب عليه الاكتفاء بمعالجة النتائج، بل عليها أن تنظر أيضاً في الأسباب، وأن تفتح المجال أمام نقاش جاد ومسؤول لا يخشى الأسئلة الصعبة ولا ينزلق إلى الاتهامات الجاهزة.
والدولة مطالبة اليوم بأن تقدم لأهالي الضحايا وللمجتمع إجابات واضحة، ومراجعة ما يلزم من سياسات وإجراءات للوقاية من العنف، دون تهويل أو إنكار، فالثقة لا تُبنى بالتطمينات وحدها، وإنما بالعدالة والشفافية والشعور الفعلي بالأمان.
ستبقى حمود في ذاكرتي قرية وادعة، كما عرفتها، وستبقى السماكية والربة وادر جزءاً من صورة الكرك التي أحببناها، لكن ما حدث يضع أمامنا مسؤولية لا يجوز تأجيلها: أن تكون حماية حياة الإنسان وكرامته أولوية ثابتة، وألا تكتفي الدولة بمحاسبة من أطلق الرصاص، بل تعمل على ألا يجد العنف طريقه مرة أخرى إلى هذه القرى الآمنة.
الغد