facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الإصلاح بين التحديث وتعطيل التغيير


جهاد المنسي
19-10-2026 09:01 AM

أصعب ما يواجه مشاريع الإصلاح ليس غياب القرارات، بل وجود ممارسات تفرغها من مضمونها، فالتحديث لا يقاس بما يعلن، بل بما ينفذ، ومن يسعى للتغيير لا يكفي أن يرفع شعاراته، وإنما لمؤسّسات قادرة على ترجمته، ومسؤولين يدركون أن المنصب مسؤولية مؤقتة، وأن القانون لا يطبق بالانتقاء، وأن المصلحة العامة لا تتجزأ.

في المشهد العام تبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها بالمجاملة: لماذا تتقدم بعض مسارات التحديث وتتعثر أخرى؟ لماذا يبدو التوافق على المبادئ سهلا، بينما يصبح تطبيقها صعبا حين تمس مصالح بعضهم وآليات الاختيار وتداول المسؤولية؟ وكيف نقنع المجتمع بجدية الإصلاح إذا بقيت بعض الممارسات أسيرة منطق قديم بلغة جديدة؟ الإشكالية أن الإصلاح يحظى بالتأييد ما دام فكرة عامة، لكنه يصطدم باختبار حقيقي عندما يتحول لقواعد ملزمة للجميع، عندها تظهر حسابات المصلحة، وتكثر المبررات لتأجيل الاستحقاقات أو الإبقاء على الوضع القائم، فلا يرفض التغيير علنا، بل يتم تعطيله بالإجراءات والتسويات والحلول التي يفترض أنها مؤقتة فتتحول إلى دائمة، ومن الظواهر اللافتة، تحول التزكية إلى قاعدة متكررة في بعض الاستحقاقات، وتقدم اللجان المؤقتة لتحل محل الهيئات المنتخبة.

هنا ليس الاعتراض على تزكية تأتي بعد منافسة حقيقية تنتهي بتوافق، ولا على لجنة مؤقتة تفرضها ضرورة موضوعية، بل على تحويل التوافق إلى وسيلة جاهزة لتجاوز المنافسة، وتحويل المؤقت إلى نمط إدارة مستمر، وهذه ليست مسألة شكلية، فالانتخاب هو ما يمنح أصحاب العلاقة حق اختيار ممثليهم، ويجدد الثقة، ويفتح باب المحاسبة والتداول، أما التوسع في التعيين والتكليف، والإبقاء على اللجان المؤقتة حيث يجب أن تكون هناك مجالس منتخبة، فهو يضعف المشاركة، ويحد من التجديد، ويعطي انطباعا بأن بعض المواقع يجب أن تبقى بعيدة عن الاختيار الحر، وهذا مسار لا ينسجم مع روح التحديث ولا مع بناء مؤسّسات أكثر تمثيلا وفاعلية، والأمر لا يتعلق بمؤسّسة واحدة، فالحياة العامة بكل مكوناتها تحتاج مراجعة لعلاقتها بالمصلحة العامة. وتزداد الخطورة حين تتحرك مؤسّسات الدولة في اتجاهات متباينة، لكل منها حساباتها، وليس المطلوب افتراض سوء النية، ولا اعتبار كل اختلاف تعطيلا، بل التمييز بين اختلاف مشروع يثري القرار، وممارسات تؤخره أو تفرغه من غايته، فالدولة القوية لا تخشى المراجعة، والمؤسّسة الواثقة لا ترى في التجديد تهديدا، والمسؤول المؤمن بالإصلاح لا يعتبر المساءلة استهدافا شخصيا، ويبقى تطبيق القانون هو الاختبار الأوضح.

الثابت أنه لا يمكن بناء الثقة بقواعد تطبق على طرف وتخفف عن آخر، ولا يمكن إقناع الناس بأن الدولة للجميع إذا تصرف بعضهم وكأنها على مقاس مصالحهم، الموقع العام مسؤولية وليس امتيازا، والنفوذ لا يمنح صاحبه حق تجاوز القواعد، إذ إن أخطر ما يصيب مشروع التحديث هو اتساع الفجوة بين ما تقوله الدولة وما يلمسه المواطن على أرض الواقع.

بالمجمل فإن الثقة لا تبنى بالخطابات، بل حين يرى الناس أن للاختيار قيمة، وأن القانون لا يتغير بتغير الأسماء، وأن المسؤولية قابلة للمحاسبة، وأن الفرص لا تغلق أمام الآخرين، وهنا فإن المطلوب ليس إجماعا يلغي الاختلاف، ولا توافقات تغلق باب المنافسة، بل توافق على قواعد عادلة، ومنافسة نزيهة، ومؤسّسات تتجدد بإرادة أصحابها، وإدارة لا تخلط بين الاستقرار والجمود، فالتحديث ليس لافتة ترفع فوق واقع لا يتغير، بل امتحان يومي للالتزام بما نعلنه، وحين تصبح التزكية بديلا للمنافسة، والمؤقت بديلا للمنتخب، والمصلحة الخاصة أقوى من القاعدة العامة، فالسؤال لا يعود عن جمال مشروع الإصلاح، بل عن جدية من يحولونه إلى واقع، فالدولة ليست لمن يطوعها لمصلحته، بل للجميع تحت سقف القانون، وهنا يبدأ التحديث الحقيقي أو يتوقف.

الغد





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :