facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




السردية الأولى


د. رندة نايف ابوحمور
12-10-2026 09:42 AM

من أين بدأت الحكاية؟ من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام والأردن.

السردية التي أريد أن أكتبها ليست محاولة لاعادة كتابة التاريخ على مقاس رواية نحبها، ولا بحثا عن إجابات جاهزة لأسئلة قديمة. أريد أن أعود إلى الوراء، وأن أقرأ ما وصل إلينا من مصادر وكتابات وروايات، وأن أحاول فهم كيف تشكلت هذه الأرض، وكيف وصل الإنسان إليها، ومن سكنها قبل أن تحمل أسماءها المعروفة اليوم.

السردية: نعود إلى الوراء، لنفهم كيف وصلنا إلى هنا.

وقبل أن أصل إلى السلط، وقبل أن أتحدث عن سكانها وأحيائها وعمارتها وعشائرها، أجد نفسي مضطرة إلى البدء من مساحة أوسع بكثير: الجزيرة العربية، وبلاد الشام، وبلاد الرافدين، ووادي النيل.

هذه المناطق لم تكن جزرا منفصلة كما قد توحي حدود الخرائط الحديثة. فمنذ آلاف السنين، تحرك الإنسان بينها، وعبر الصحارى والوديان، وانتقل بحثا عن الماء والمرعى والاستقرار، أو طلبا للتجارة، أو نتيجة لتغيرات البيئة والظروف السياسية والاقتصادية.

وتشير الدراسات التاريخية واللغوية إلى وجود جماعات سامية قديمة في مناطق واسعة من الجزيرة العربية وبلاد الشام وبلاد الرافدين، لكن تحديد موطنها الأول ومسارات انتقالها وتواريخها الدقيقة ما زال موضوعا للنقاش بين الباحثين.

ومن مناطق الجزيرة العربية، بما فيها نجد والحجاز واليمن، تحركت جماعات بشرية في اتجاهات متعددة. اتجه بعضها شمالا نحو بلاد الشام، وعبر سيناء إلى وادي النيل، بينما اتجهت جماعات أخرى شرقا نحو بلاد الرافدين.

لم تحدث هذه التحركات كلها في زمن واحد، ولم تكن نتيجة سبب واحد. فالتاريخ لا يسير في خط مستقيم، والهجرات ليست دائما رحلة تبدأ من مكان وتنتهي في مكان آخر؛ فقد تكون حركة متقطعة، يتبعها استقرار، ثم انتقال جديد، وتتداخل خلالها الجماعات والثقافات واللغات.

وفي هذا المشهد، كانت بلاد الرافدين واحدة من أهم مراكز الحضارة الإنسانية. ففي جنوبها نشأت الحضارة السومرية، وازدهرت مدنها، وتطورت فيها أنظمة الكتابة والإدارة والحياة الحضرية. ثم شهدت المنطقة تحولات سياسية وثقافية متعاقبة، وبرزت فيها الحضارة البابلية، التي تشكلت في سياق تاريخ طويل شاركت فيه جماعات متعددة، من بينها السومريون والأكديون والأموريون وغيرهم.

وهذا مثال على أن الحضارات لا تفهم بمجرد القول إن شعبا جاء فاختلط بشعب آخر؛ فلكل حضارة ظروفها ومراحلها، ولقيامها عوامل سياسية واقتصادية وثقافية تتجاوز التفسير البسيط.

أما في الاتجاه الغربي، فقد كانت سيناء معبرا بين بلاد الشام ووادي النيل، وكانت المنطقة المحيطة بها تشهد تواصلا بشريا وتبادلا تجاريا وثقافيا. وقد تفاعلت الجماعات الوافدة، عبر فترات طويلة، مع المجتمعات المحلية التي سبقتها في الاستقرار.

لم تكن المنطقة خالية تنتظر من يسكنها، ولم يكن كل قادم يمحو من سبقه.

هذه الفكرة مهمة بالنسبة لي؛ لأنني حين أبحث في تاريخ الأردن والسلط، لا أريد أن أبدأ من اسم قبيلة أو عائلة، ثم أجعل كل ما سبقها مجرد فراغ تاريخي. أريد أن أعرف من عاش على هذه الأرض، وما الذي تركه، وكيف تغيرت المجتمعات فيها عبر القرون.

من بلاد الشام إلى الأردن

يقع الأردن في منطقة جغرافية جعلته جزءا من طرق التواصل بين الجزيرة العربية وبلاد الشام، وبين وادي الأردن والبادية، وبين الجنوب والشمال.

وعلى أرضه عاشت جماعات بشرية منذ عصور موغلة في القدم، ونشأت ممالك ومراكز حضارية، ومرت طرق التجارة، وتعاقبت قوى سياسية مختلفة.

وتدل المواقع الأثرية والنقوش والمصادر التاريخية على أن تاريخ هذه الأرض أقدم بكثير من ظهور اسم الأردن بصورته السياسية الحديثة.

لكن ما الذي نعرفه فعلا عن هذه المراحل؟ وما الذي نقرأه في المصادر القديمة؟ وما الذي وصل إلينا من روايات محلية تناقلتها الأجيال؟

هذه الأسئلة تقودني إلى أهمية قراءة المؤلفات التي تناولت تاريخ الأردن من زوايا مختلفة، ومن بينها كتابات الدكتور أحمد عويدي العبادي، الذي خصص عددا من كتبه ومقالاته لتاريخ الأردن القديم، وممالكه، وسكانه، وعشائره، وتطور مجتمعه عبر العصور.

ومن أعماله كتاب "تاريخ الأردن وعشائره من 3400 ق.م. إلى 1910م"، الذي يتناول تاريخ الممالك والجماعات والعشائر والتحولات التي شهدتها البلاد على امتداد حقب طويلة. وله أيضا كتاب "التاريخ السياسي للممالك الأردنية القديمة"، الذي يبحث في تاريخ الممالك القديمة وتطورها السياسي، وكتاب "تاريخ مدينة السلط عبر العصور" للاستاذ محمود ابو طالب، وكتاب "دراسات في تاريخة مدينة السلط (الصلت)" للدكتور محمد عبدالقادر خريسات.

وتكمن أهمية الرجوع إلى هذه الأعمال في أنها تفتح أمام القارئ أسئلة تتعلق بتاريخ الأردن بوصفه أرضا لها امتدادها البشري والسياسي والاجتماعي، وتدفعنا إلى البحث في تاريخ المناطق الأردنية بعيدا عن الاكتفاء بالمراحل الأقرب إلينا زمنيا.

غير أن ما يستوقفني بصورة خاصة، وأنا أبدأ هذه السلسلة التي ستصل في النهاية إلى السلط، هو ما كتبه العبادي عن تاريخ المدينة القديم.

ففي كتابه "المملكة الأردنية المنسية: بيريا وعاصمتها السلط المحروسة"، يطرح المؤلف قراءة تاريخية يرى فيها أن السلط كانت عاصمة مملكة قديمة يسميها «بيريا»، ويمنح هذه المملكة امتدادا زمنيا وجغرافيا واسعا. وقد تناول الفكرة كذلك في مقالات منشورة، من بينها كتاباته عن تاريخ الأردن القديم وجذور الحضارة في المنطقة.

هذا الطرح يستحق التوقف عنده والاطلاع على حججه ومصادره، خصوصا أنه يتصل مباشرة بالسؤال الذي أريد الوصول إليه في هذه السلسلة: ماذا كان على أرض السلط قبل أن نصل إلى تاريخها المعروف في القرون الأخيرة؟

لكن قراءة التاريخ تقتضي أن نميز بين ما يطرحه الباحث، وما تثبته الشواهد الاثرية والنقوش والمصادر التاريخية الأخرى. فالتصور الذي يقدمه العبادي عن مملكة بيريا وموقع السلط فيها هو طرح تاريخي ينبغي فحص أدلته ومقارنته بقراءات الباحثين الآخرين، لا التعامل معه باعتباره حقيقة محسومة لمجرد وروده في كتاب.

وأنا لا أريد أن أتبنى رأيا قبل أن أفهمه، ولا أن أرفضه قبل أن أقرأ أدلته. سأعود إلى هذه الكتابات كلما اقتربنا من تاريخ السلط، وسأحاول أن أضعها إلى جانب ما يتوافر من مصادر أخرى، حتى يستطيع القارئ أن يميز بين المعلومة الموثقة، والتفسير التاريخي، والرواية التي ما زالت تحتاج إلى مزيد من البحث.
وماذا عن السلط؟

هنا أصل إلى السؤال الذي يشغلني منذ بدأت التفكير في هذه السلسلة.

أنا أريد أن أعود بتاريخ السلط إلى الوراء، وصولا إلى يومنا هذا، مع الرجوع إلى الفترات الأقدم كلما اقتضت الأدلة ذلك.

أريد أن أعرف كيف كانت المنطقة قبل استقرار أبوحمور فيها، ومن كان يعيش في محيطها، وما الذي نعرفه عن سكانها السابقين، وكيف تشكلت المدينة التي نعرفها اليوم.

هل كان أبو حمور أول من سكن السلط؟ أم أنه استقر في مكان كانت له حكاية قبله؟

تشير الروايات المتوارثة إلى أن ابوحمور كان أول من سكن السلط، بعد فترة يقال إن المدينة خلت فيها من السكان. وهنا تبدأ أسئلة تستحق البحث: متى حدث ذلك؟ ومن كان يسكن هذه المنطقة قبل تلك الفترة؟ وماذا تخبرنا المصادر التاريخية والآثار والوثائق عن السلط قبل استقرار أبو حمور فيها؟

وإذا كان هناك من سبقه، فمن كانوا؟ وهل نستطيع تحديدهم من خلال الآثار والوثائق والمصادر التاريخية؟ أم أننا أمام روايات محلية تحتاج إلى التوثيق والمقارنة؟

هذه الأسئلة لن أجيب عنها مسبقا، ولن أختصر تاريخ السلط في رواية واحدة، مهما كانت قريبة إلى الذاكرة أو محببة إلى الناس.

سأقرأ ما كتبه الباحثون، ومن بينهم المرحوم الاستاذ ياسين صالح ابو حمور والدكتور أحمد عويدي العبادي، وسأعود إلى الارشيف العثماني والى وزارة الثقافة والى المصادر المتاحة، وسأستمع إلى الروايات التي تناقلها كبار السن، مع الحرص على التمييز بين ما يمكن إثباته وما يبقى في إطار الذاكرة الشعبية.

فالمكان لا يبدأ تاريخه بالضرورة مع أول اسم وصل إلينا، والعائلة التي نعرف تاريخ استقرارها لا تعني أن الأرض كانت خالية قبلها، كما أن قدم المكان لا يثبت وحده صحة كل رواية تنسب إليه.

التاريخ يحتاج إلى أسئلة شجاعة، لكنه يحتاج أيضا إلى أدلة.

ومن هنا تبدأ رحلتي مع السردية: من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام، ومن تاريخ الأردن القديم إلى السلط، ومن السؤال عن الجذور إلى البحث عمن عاشوا على هذه الأرض قبل أن نعرفهم بأسمائهم المتداولة اليوم.

في المقال القادم، سأقترب أكثر من الأردن القديم؛ من ممالكه وشعوبه، ومن الأسماء التي حملتها هذه الأرض عبر العصور، قبل أن نصل إلى السلط ونبدأ البحث في حكايتها الخاصة.

لأنني، قبل أن أسأل: من جاء إلى السلط؟

أريد أن أعرف أولا: من كان هنا قبل أن نصل إلى الحكاية التي نعرفها؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :