هل المرأة لؤلؤة .. أم كاللؤلؤة؟
د. ذوقان عبيدات
18-10-2026 09:40 AM
يتدخل حراس كثيرون بين فترة وأخرى؛ ليفرضوا نموذجًا للسلوك الأخلاقي على المجتمع. فمن خلال ما حدث في إحدى المدارس، تم الربط بين النضال الوطني لبلدة تلك المدرسة، حين هبّ أهل هذه البلدة الشريفة وسائر القرى المجاورة لمقاومة مشاريع الاستيطان الإسرائيلي في وقت مبكر من القرن العشرين، وما حدث في قضية المرأة اللؤلؤة في تلك المدرسة. وذلك لإضفاء المشروعية على ما حدث!
وبعيدًا عن الربط بين الوطني واللؤلؤ، وبعيدًا عن التفسيرات الثقافية، والاجتماعية، والأخلاقية للموقف. فإنني على ثقة بأن وزارة التربية تدرك أن ما حصل في المدرسة هو جزء بسيط من ثقافة جبل الجليد الذي يسيطر على معظم مدارسنا.
سأناقش الأمر من حيث الشكل لا المضمون! ففي المضمون حقائق ثابتة، وأخرى متغيرة! ولكل نصير!
( ١ )
المرأة لؤلؤة، أم كاللؤلؤة؟
إن تشبيه المرأة في ثقافتنا باللؤلؤة لا شك أنه تشبيه بليغ مستحق، وكذلك تشبيه الكريم بالبحر هو تشبيه لغوي بليغ ومستحق! ولكن هل يعني ذلك أن الرجل بحر نصطاد فيه السمك وتجرفنا أمواجه؟؟ فالتشبيه دائمًا جزئي، لا كلي. فحين نقول: المرأة مثل اللؤلؤة لا يعني ذلك أنها جماد وفاقدة للعقل، وأنها يجب أن تختفي بناء على ذلك! فهل يجب أن يكون التشبيه باللؤلؤة سببًا لإخفاء المرأة؟؟
المرأة هي من تصون نفسها، ولكن اللؤلؤة تحتاج من يصونها!
ولذلك قد لا يكون مدحًا للمرأة في هذه الدنيا بأن نصفها باللؤلؤة!.
( ٢ )
المرأة والحياة العامة!
لاحِظوا أن قيمة اللؤلؤة تكمن في صيانتها، وحفظها! ولكن قيمة المرأة أيضًا في عقلها، وفكرها، ومشاركتها في قوى التنمية!، فماذا لو "حفظنا" مدارس البنات بالكامل من الحياة العامة، وحفظهن المجتمع كما يحفظ لآلئه في الحفظ والصون؟ ماذا لو حفظنا الطبيبات، والعاملات، والمرشدات؟
هناك فرق بين الستر والاحتشام وهو مطلوب، وبين الحفظ والإخفاء!
وهناك فرق بين السيدات المصونات، والسيدات "المحفوظات".
والسؤال: هل تصبح المرأة أقل قيمة حين تظهر في الحياة العامة: طبيبة، و"نائبة"، ومهندسة، ومحامية، وعاملة نظافة؟ وهل تكريم المرأة بإخفائها؟
فالصون أو الستر قد لا يعني الإخفاء والاختفاء!!
( ٣ )
من صون اللؤلؤ، إلى فرض النموذج!
في اللغة العربية، الستر يعني الغطاء، فحين نمدح أحدًا نقول "مستور"، والحال "مستورة". وهكذا اتخذ الستر قيمة اجتماعية! وعكس الستر الكشف، وعكس المستور مكشوف. وهذه شتيمة اجتماعية مع أنها ليست كذلك لغويّا. فالمجتمع يطوّر معانيه في الستر، والصون، واللؤلؤ، والحفظ. وفي هذا خلافات واختلافات، ورأي فريق لا يلزِم فريقًا آخر بالتأكيد!
فالخلاف ليس على جمال اللؤلؤة بل على فرض إخفائها معيارًا للحياة!
ولكل هذا: أنا مع تدخّل وزارة التربية في تحقيق العدالة وعدم التمييز!
والتربية أيضًا لا تستطيع قبول مبادرات معاكسة، تقوم بها مدارس أكثر انفتاحًا، أو مدارس تؤمن بثقافة مختلفة في اللباس والمظهر وحتى القيم، وإلّا كانت مدارسنا ميادين لصراعات غير مقبولة!
( ٤ )
المشكلة هي فرض النموذج!
حين نتحدث في البلاغة نطرب، فالشعر البليغ يهزنا، والتشبيهات البليغة كذلك:
كأنك شمس، والملوك كواكب
إذا طلعت لم يبدُ منهن كوكب!
أو :
السيف أصدق إنباءً من الكتب!
وهكذا ننحاز إلى البلاغة على حساب المعنى! وهذا أحد عيوبنا!
نحن ننتقل من: البلاغة، إلى المعيار الأخلاقي! ومن وصف الجمال، إلى فرض النموذج. ومن قيمة المرأة وصونها وكرامتها، إلى معنى الإخفاء، والاحتجاب!!
فهل يفرض جمال اللؤلؤة وقيمتها المادية علينا معايير لحياتنا؟
ويبقى الجدل: هل يتوجب علينا صيانة المرأة، وحجبها، وحمايتها من المجتمع؟ أم بناء مجتمع راقٍ لا تحتاج المرأة فيه إلى الاختفاء!!
وأخيرًا، ما يحمي المرأة شخصيتها، وبناؤها، وحقوقها! وبالمناسبة: الجميع ذكورًا وإناثًا يحتاجون إلى الستر والصون!
فهمت عليّ؟!!