النظام الإيراني والفرص الضائعة
عبدالنبي الشعلة
17-10-2026 10:28 AM
كان في وسع إيران، بما تملكه من موقع جغرافي وثروات طبيعية وطاقات بشرية، أن تصبح إحدى أهم قاطرات التنمية في منطقتنا، وأن تؤدي دورًا يشبه ما أدته الصين في آسيا: دولة تركز على بناء الاقتصاد، وتستثمر في الإنسان، وتنفتح على العالم، وتحوّل إمكاناتها إلى فرص عمل وإنتاج وازدهار. لكن هذا الاحتمال يظل رهينًا باختيار سياسي مختلف؛ اختيار يقدّم منطق الدولة ومصالح الشعب على منطق الثورة وتوسيع النفوذ.
فإيران بلد واسع ومتعدد التضاريس، يضم الجبال والأنهار والسهول والسواحل والمعالم التاريخية والتراثية والدينية، ويملك موارد نفطية وغازية ومعدنية، وقاعدة سكانية كبيرة. وكان يمكن لهذه العناصر أن تجعل منه مقصدًا سياحيًا بارزًا، ومصدرًا مهمًا للغذاء والصناعة، وشريكًا اقتصاديًا لدول الخليج والعالم. غير أن استثمار هذه المقومات يحتاج إلى استقرار، وتعاون إقليمي، وبنية تحتية حديثة، وإدارة كفؤة للموارد، ولا سيما المياه التي باتت تحديًا حقيقيًا لإيران نفسها.
منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، اختار النظام مسارًا آخر. فقد جعل «تصدير الثورة» مبدأً ناظمًا لسياسته الخارجية، وتدخل في شؤون جيرانه، ورعى جماعات مسلحة مرتبطة به في عدد من دول المنطقة، لتصبح أدوات نفوذ تتجاوز حدود الدولة الوطنية. وبذلك تحولت طاقات كبيرة في إيران من التنمية والتكامل إلى إدارة الخصومات والصراعات، وتراجعت فرص بناء الثقة وحسن الجوار. ولا يعني ذلك أن كل صعوبات إيران الاقتصادية سببها خيارها السياسي وحده؛ فالعقوبات والضغوط الخارجية أسهمت في تعقيد المشهد. لكن السياسات الإقليمية والتوتر المستمر جعلا كلفة العزلة والعقوبات أشد، وضيّقا على الشعب الإيراني فرص الاستفادة من موارده.
ولا تقتضي الإشارة إلى بعض منجزات عهد الشاه تجاهل طبيعته السلطوية أو المظالم التي ارتبطت به. ففي عهده اتسعت الفجوات الاجتماعية، واعتمد النظام على أجهزة أمنية قمعية، وضاق المجال أمام المعارضة. ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بما شهدته إيران آنذاك من برامج تحديث، في مقدمتها "الثورة البيضاء" التي أطلقها الشاه عام 1963، وتضمنت إصلاحًا زراعيًا، وتوسيعًا لحقوق المرأة السياسية، ومبادرات لمحو الأمية والرعاية الصحية، إلى جانب تحديث البنية التحتية وتشجيع التصنيع. كما استفادت الدولة من عائدات النفط في تمويل مشاريع كبرى، وتوصلت عام 1973 إلى اتفاق جديد مع شركات النفط منح شركة النفط الوطنية الإيرانية دورًا وسيطرة أوسع في قطاع الإنتاج والتسويق.
لم تكن تلك التجربة بلا اختلالات، ولم تكن منجزاتها كافية لمعالجة التفاوت أو الاستبداد، لكنها كانت قاعدة كان يمكن البناء عليها وتطويرها ضمن نظام أكثر انفتاحًا وعدالة ومشاركة. غير أن النظام الجديد لم يتعامل مع الدولة بوصفها مشروعًا ينبغي تحديثه وتوسيع فرص مواطنيه، بل بقي أسير خطاب ثوري عابر للحدود. وهنا تبرز المقارنة مع الصين، لا باعتبار أن البلدين متماثلان في التاريخ أو الظروف، بل لأنهما يقدمان مثالين على أثر الخيارات السياسية والاقتصادية في مصير الإمكانات.
عندما بدأت الصين إصلاحاتها وانفتاحها الاقتصادي أواخر السبعينيات، في تزامن لافت مع نجاح الثورة في إيران، لم تتخلَّ عن حكم الحزب الشيوعي، لكنها غيّرت أدوات إدارة الاقتصاد، ووسّعت مساحة السوق والاستثمار والتجارة، واستفادت من رأس المال والتكنولوجيا والخبرات الأجنبية، وأقامت مناطق اقتصادية خاصة. وتدريجيًا، تحولت هذه السياسات إلى مصانع وفرص عمل وصادرات، وإلى نمو واسع في التعليم والبنية التحتية. ويقدّر البنك الدولي أن الصين نجحت في انتشال قرابة 800 مليون شخص من الفقر المدقع خلال العقود الأربعة التي تلت بدء الإصلاحات، فيما بلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 18.7 تريليون دولار عام 2024، فأصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم بحسب الناتج الاسمي.
ولم يكن ذلك ثمرة قرار منفرد أو وصفة سحرية؛ فقد استند إلى سوق عالمية مواتية، واستثمارات ضخمة، وسياسات تغيرت بمرور الوقت، كما صاحبت النمو تحديات تتعلق بالتفاوت والديون والحقوق. لكن الدرس الأوضح هو أن القيادة الصينية جعلت تحسين مستوى المعيشة وزيادة الإنتاج أولوية عملية، وسمحت بقدر كبير من المرونة الاقتصادية، بدل أن تجعل تصدير عقيدة سياسية أو إدارة صراع إقليمي غايتها الأولى.
أما إيران، فقد امتلكت بدورها مقومات الانطلاق: موارد الطاقة، والسكان المتعلمون، والموقع الذي يصل آسيا بأوروبا والخليج، وأسواقًا قريبة تحتاج إلى الغذاء والصناعة والسياحة. إلا أن هذه المقومات لم تتحول إطلاقًا إلى تنمية مستدامة. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى انكماش الاقتصاد الإيراني بنحو 2.7 في المئة في السنة المالية 2025/2026، مع استمرار التضخم المرتفع وتراجع الدخول الحقيقية، في ظل آثار العقوبات والتوترات والاضطرابات التجارية. وهذه الأرقام لا تختصر حياة الإيرانيين ولا تلغي ما يملكه بلدهم من إمكانات، لكنها تكشف اتساع الفجوة بين الفرص التي كانت مواتية وما تم تحقيقه.
كما أن تعافي الاقتصاد لا يبدأ بمجرد رفع العقوبات، وإن كان تخفيفها يفتح أبوابًا مهمة؛ فهو يحتاج أيضًا إلى إصلاح مؤسساتي، وشفافية، وبيئة تستقطب الاستثمار، وتضمن أن تصل ثمار النمو إلى المواطنين. وفي بلد يملك هذا الموقع والسوق والموارد، تبدو كلفة الفرص الضائعة أكبر من أن تُختزل في رقم نمو سنوي.
ليس المقصود أن إيران كان يمكنها أن تنسخ التجربة الصينية حرفيًا، أو أن المقارنة بينهما تخلو من الفوارق. المقصود أن الدول لا تُقاس بثرواتها وحدها، بل بالطريقة التي توظف بها تلك الثروات، وبقدرتها على تحويل السياسة إلى خدمة للمجتمع. ولو اختارت طهران حسن الجوار، ووقف التدخل في شؤون الآخرين، وتوجيه الموارد إلى التعليم والصحة والعمل والإنتاج، لكان بوسعها أن تكون شريكًا محوريًا في نهضة المنطقة، لا مصدرًا دائمًا للتوتر والقلق.
إن إيران ليست محكومة بمسارها الراهن إلى الأبد. فالمنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الاستقطاب، بل إلى فكر ونظام جديد يحقق لإيران الاستقرار الذي تزدهر فيه مصالح شعبها، وتحترم سيادة جيرانها، وتشارك في بناء منظومة تعاون إقليمي. وقد تبدلت أحوال أمم حين راجعت خياراتها وجعلت التنمية أولوية. ويبقى السؤال: متى تتحول طاقات إيران من أدوات النفوذ والصراع إلى جسور للتنمية والسلام؟