بين سيادة القانون والعاطفة الأيديولوجية .. البيئة التعليمية في مواجهة المزايدات
باسم الوليدات
17-10-2026 10:33 AM
يتكرر في المشهد العام نموذجٌ من الخطاب السجالي الذي يتغذى على الأحداث البسيطة ليصنع منها معارك أيديولوجية كبرى، وما رافق الجدل حول مبادرة طالبات مدرسة جرش ليس إلا تجلياً واضحاً لهذا النمط من الشعبوية؛ حيث جرى تحويل مجرد إجراء تنظيمي روتيني لوزارة التربية والتعليم إلى مؤامرة فكرية، واستغلال حدث مدرسي عفوي لشن هجوم يتجاوز حدود القرار الإداري ليصل إلى التشكيك في هوية الدولة ومؤسساتها، وتتأسس حجج المدافعين عن المبادرة والمهاجمين للمؤسسة على افتراض مضمر مفاده أن أي تطبيق للقانون على نشاط يحمل طابعاً دينياً هو بالضرورة حربٌ على الدين، متناسين القاعدة الفقهية الكلية التي قررها العلماء بأن (تصرُّف الإمامِ على الرَّعيَّةِ مَنُوطٌ بالمَصلحةِ)؛ فالوزارة لم تمنع الطالبات من الالتزام بالزي أو الحجاب داخل المدرسة، وهو أصل متقرر في البيئة التعليمية، وإنما مارست حقها القانوني في ضبط الظهور الإعلامي لمؤسسة رسمية ولطالبات قُصّر لا يملكون الأهلية القانونية لنشر صورهم في الفضاء الرقمي المفتوح دون إذن أولياء الأمور وصاحب الولاية القانونية، امتثالاً للنهي النبوي الكريم: (لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ).
كما يلجأ هذا الخطاب إلى عقد مقارنة صاخبة بين انضباط المدرسة الحكومية وبين حريات الأفراد أو الفعاليات الخاصة، وهي مقارنة تُسقط أركان التحليل المنطقي وتتجاهل التمايز الصريح بين المجال العام والمجال الخاص، فالمدارس الحكومية ليست ملكية خاصة أو صالونات فكرية مفتوحة للأجندات والمبادرات الفردية، بل هي مرافق عامة تخضع لحياد المؤسسة وهيبتها، وقد قيل قديماً: (إذا زاد الشيءُ عن حَدِّهِ انقَلَبَ إلى ضِدِّهِ)؛ فالغاية النبيلة تفقد مقومات استقامتها حين تتنكر للأطر التي تنظمها، وإن الخلط بين ما يُمارس في القطاع الخاص الخاضع لتشريعات التجارة، وبين ما يُمارس داخل بيئة تعليمية يخضع قانونها لرقابة صارمة، ينمّ عن قياس مع الفارق تُقحَم فيه القضايا لإثارة المشاعر وتأجيج العواطف.
وفي السياق ذاته، فإن استخدام التلميحات اللفظية واللعب بالرموز والأسماء للإسقاط على رأس الدولة أو سياستها العليا—تحت ستار النقد المبطّن—يمثل مسلكاً يفتقر إلى الرصانة الفكرية والمسؤولية الوطنية. إن تحويل الشأن التنظيمي المباشر إلى مناكفة سياسية واستدعاء مفاهيم العقيدة والسلطة في قرار إداري محض، يُعد اختزالاً مخلّاً، وقد قال المتنبي قديماً: (وَوَضْعُ الطَّبْلِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ... جَهْلٌ بِما يَحْمِلُ الإِعْرابُ واللَّغَطُ)، فالنقد الحقيقي هو ما يُبنى على فهم التشريعات ومصالح الأمة الكلية، لا على افتعال معارك رمزية على حساب الاستقرار المؤسسي وسيادة القانون.
وفي نهاية المطاف، يجب أن ندرك أن الدفاع عن القيم والأخلاق لا يكون باختراق المنظومة القانونية للمؤسسات ولا بشرعنة الفوضى الإدارية تحت شعار (حسن النيات)؛ فالأفكار الشريفة لا تكتمل إلا بالوسائل السليمة، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بتأكيد لزوم النظام والانضباط لحفظ كليات الدين والدنيا، والدولة الوطنية المحترمة هي التي تحمي جميع أبنائها عبر الاحتكام إلى سيادة القانون واللوائح الرسمية، لا عبر الخضوع لابتزاز العواطف أو المزايدات الأيديولوجية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.