الفجوة الجيلية والقطيعة الثقافية
د. بركات النمر العبادي
10-10-2026 11:39 AM
ليست الفجوة بين الأجيال أمرًا طارئًا، فكل جيل ينشأ في سياق مختلف ويحمل أسئلته الخاصة. غير أن الفجوة الجيلية اليوم لم تعد مجرد اختلاف في الأذواق أو طرائق التفكير، بل بدأت في بعض صورها تتحول إلى قطيعة ثقافية ؛ أي إلى انفصال تدريجي بين جيل جديد وذاكرة المجتمع وقيمه ولغته ورموزه وتجربته التاريخية.
فالمجتمع لا يستمر لأن أبناءه متشابهون، وإنما لأنه قادر على نقل المعنى من جيل إلى جيل، وجعل الجديد امتدادًا للقديم لا نقيضًا له. وحين ينقطع هذا النقل، يصبح الماضي في نظر بعض الأبناء عبئًا، والحاضر في نظر بعض الآباء تهديدًا، فتتحول الفجوة من اختلاف طبيعي إلى أزمة في الاستمرارية الثقافية.
تقدم التجربة الأردنية نموذجًا مهمًا لفهم هذه المسألة. فقد انتقل المجتمع خلال عقود من مجتمع يغلب عليه الطابع الريفي والعشائري والزراعي إلى مجتمع مدني متعلم ، واسع الاتصال بالعالم ، ومع ذلك حافظ على عناصر أساسية من استمراره : الأسرة، والروابط الاجتماعية، والكرم، والنخوة، والتكافل، والاعتزاز بالمكان والتاريخ الوطني.
لكن هذه المنظومة تواجه اليوم اختبارًا جديدًا ؛ فالجيل الجديد لا يتلقى ثقافته من الأسرة والمدرسة والمجتمع فقط ، وإنما من فضاء عالمي مفتوح، أصبحت فيه التكنولوجيا ووسائل التواصل شريكًا أساسيًا في تشكيل الوعي. ولقد أصبح الهاتف النقال نافذة على العالم ، لكنه في الوقت نفسه نافذة يدخل منها العالم إلى البيت دون وسيط.
كان الاختلاف بين الأب وابنه يدور غالبًا حول كيفية تطبيق القيم نفسها، أما اليوم فقد يمتد إلى القيم ذاتها ومصادرها. الأب قد يرى النجاح في الاستقرار والعمل وتحمل المسؤولية وبناء الأسرة، بينما يراه الابن في الحرية الشخصية وتحقيق الذات وتعدد الخيارات، وفي خضم اختلافً في مصادر تشكيل الرأي.، يصبح الحوار أكثر صعوبة.
الأسرة الأردنية أمام امتحان جديد ، وهذا لا يعني أن التكنولوجيا شر، وإنما يعني أن وظيفة الأسرة تغيرت.ولم يعد كافيًا أن تقول الأسرة: «هذا صحيح لأننا كنا نفعله». فالجيل الجديد يريد أن يعرف لماذا. ومن هنا ينبغي للأسرة أن تنتقل من مجرد نقل القيم إلى شرحها والدفاع عنها وإعادة تقديمها بلغة معاصرة.
كانت المدرسة الأردنية إحدى أهم مؤسسات بناء الشخصية الوطنية ، أما اليوم فهي تواجه عالمًا رقميًا يقدم للطالب المعرفة والصور والأفكار بلا توقف.والحل ليس في منع العالم الخارجي، وإنما في جعل المدرسة أكثر قدرة على صناعة العقل النقدي؛ بحيث يتعلم الطالب أن يسأل: من أين جاءت الفكرة؟ وما الذي تفترضه؟ وهل تناسب مجتمعنا؟ وما الذي يمكن أخذه منها وما الذي ينبغي رفضه؟
القطيعة الثقافية تبدأ حين يصبح التراث موضع خجل ،وليس الخطأ أن يختلف الجيل الجديد مع بعض مظاهر الماضي؛ فالاختلاف طبيعي، وقد يكون ضروريًا. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الماضي كله إلى مصدر للخجل، ويصبح الانتماء إلى البيئة المحلية علامة على التأخر، وتقليد الآخر دليلًا على التقدم.هنا يظهر أحد أخطر وجوه التغريب: أن يبدأ الإنسان في النظر إلى ذاته بعين الآخر.
تبرز هنا أهمية الفكر المحافظ ، خصوصًا في المجتمع الأردني. فالمحافظة لا تعني رفض التغيير أو العودة إلى الماضي بكل تفاصيله، وإنما تعني إدراك أن المجتمع ليس صفحة بيضاء، بل تراكم من التجربة والمؤسسات والعادات والذاكرة.ومن أن يكون التغيير إصلاحًا للامتداد، لا اقتلاعًا للجذور.فالمحافظ لا يقول إن كل قديم صالح، ولا إن كل جديد فاسد، وإنما يسأل: ما الذي يستحق أن يبقى؟ وما الذي يحتاج إلى إصلاح؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه من الخارج دون أن نفقد أنفسنا؟وإن بناء المستقبل لا يعني قطع الصلة بالماضي. فالحفاظ على التعليم واللغة والثقافة والذاكرة الوطنية ليس ترفًا، بل جزء من الأمن الاجتماعي.
الجيل الجديد لا يحتاج إلى محاضرة في الهوية ، وان الهوية لا تبنى بالمواعظ ، وإنما تُبنى بالتجربة.حين يرى الشاب أن وطنه يحترم كرامته، وأن المدرسة تمنحه معرفة حقيقية، وأن الجامعة تفتح أمامه المستقبل، وأن الأسرة تستمع إليه، يصبح الانتماء تجربة حية.
الحل ليس في بناء جدار بين الأجيال، وإنما في بناء جسر.إن أفضل صيغة للمصالحة الجيلية هي أن نمنح الشباب حق السؤال دون سلبهم الجذور، وحق الاختيار دون إعفائهم من المسؤولية، وحق الاختلاف دون تحويله إلى قطيعة.والخطر الحقيقي ليس أن يصبح الجيل الجديد مختلفًا عن الجيل السابق؛ فهذا من طبيعة الحياة. الخطر أن يصل الاختلاف إلى درجة لا يفهم فيها لغته الثقافية، ولا يعرف قصته الوطنية، ولا يرى قيمة في ذاكرته، ولا يجد في مجتمعه ما يستحق الدفاع عنه.
ومن هنا فإن معركة المجتمع الأردني ليست مع الحداثة ولا التكنولوجيا ولا العالم، وإنما مع فقدان البوصلة. فالأمم الحية لا تختار بين الماضي والمستقبل؛ وإنما تجعل الماضي جذرًا للمستقبل.وهذه مهمة الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والدولة: أن تجعل الانتقال بين الأجيال انتقالًا للمعنى لا للصراع، وأن تجعل الانفتاح على العالم فعل وعي واختيار لا حالة استلاب، وأن تردم الفجوة قبل أن تتحول إلى قطيعة.
إذن ليس المطلوب أن يعود الشباب إلى زمن آبائهم، ولا أن يعيش الآباء في زمن أبنائهم، وإنما أن يلتقيا في وطن واحد، وذاكرة واحدة، ومستقبل يستطيع الجميع أن يروا أنفسهم فيه.
حمى الله المملكة الاردنية الهاشمية
* الامين العام المساعد للثقافة الحزبية في حزب المحافظين الاردني