facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




كبرنا يا تشرين


أ.د. علي حياصات
09-10-2026 12:25 PM

أحب تشرين، رغم حيرتي كل صباح أمام الخزانة. ألبس خفيفًا فأندم مساءً، وآخذ جاكيت فأحمله على ذراعي طوال النهار. لكن الشمس تصبح محتملة، وقهوة الصباح في الخارج لها طعم آخر.

وحين يأتي السادس منه، أسمع فيروز في رأسي: خبطة قدمكم على الأرض هدارة… انتو الأحبة وانتو للصدارة.

كنت طفلًا حين بدأت حرب أكتوبر عام 1973. لم أكن أفهم في خطط الجيوش، ولا أعرف كثيرًا عن سيناء والجولان. بقي في ذاكرتي حماس الكبار، وشعور بأننا نستطيع أن نفعل شيئًا. كبرت بعدها وقرأت عن الحرب، وعن نتائجها وما جاء بعدها، واكتشفت أن الحكاية أوسع مما وصل إلى ذلك الطفل.

حتى السادس اختلفنا عليه. حرب تحرير أم حرب تحريك؟ ماذا استعدنا، وماذا لم نستعد؟ أسئلة مشروعة، لم تمنعني من الاعتزاز بما فعله الجنود، لكنها جعلتني أفهم أن الحماس وحده لا يكفي للحكم على حرب.

وحين وقع السابع من أكتوبر عام 2023، عاد إليّ شيء من الحماس القديم، ثم كثرت أسئلتي مع اتساع المأساة في غزة. كنت أتابع ما يجري وأسأل عما حققته القرارات المتخذة باسم القضية، وهل كانت هناك خيارات أخرى. أعرف أن مقاومة الاحتلال لها ثمن، لكن هذا لا يعفينا من مراجعة قراراتنا. فكيف نتعلم من تجربة إذا اعتبرنا كل سؤال عنها إساءة إلى تضحيات أصحابها؟

أسمع من يرى في السابع كسرًا للعجز، وأسمع من يسأل عن القرار والثمن الذي دفعه الفلسطينيون. أجد عند هذا كلامًا يستحق التفكير، وعند ذاك سؤالًا لا أملك تجاهله. لكن حاول أن تقول ذلك في جلسة، أو تكتبه على صفحتك. غالبًا سيطلب منك أحدهم أن تحسم أمرك، مع من أنت؟

أنا مع حق الفلسطيني في أرضه وحياته وحريته. ومع ذلك، أريد أن أفهم ما الذي حققه هذا القرار أو ذاك لقضيته. لماذا يصعب أن نجمع الأمرين؟ ولماذا يصبح السؤال عن قرار اتُّخذ باسم القضية امتحانًا في إخلاصنا لها؟

نعرف أشخاصًا ما زالوا يتحدثون باليقين نفسه الذي عرفناه عندهم منذ ثلاثين أو أربعين عامًا. تغيرت دول، وسقطت أنظمة، وفشلت تجارب، وهم يكررون التفسير نفسه. وإن ناقشت أحدهم، ذكّرك بأنه لم يغيّر موقفه منذ شبابه، وكأن سنوات البقاء عليه تكفي لإثبات صحته.

وقد يكون موقفه صحيحًا فعلًا. لكن كيف يعرف ذلك إن لم يسمح لنفسه بمراجعته؟

ليس سهلًا أن يراجع الإنسان رأيًا عاش معه طويلًا. له أصحاب يعرفونه به، وله كلام كتبه ودافع عنه، وربما خسر من أجله. سيقولون له إنه تغيّر، وقد يعايرونه بما كان يقوله. لذلك قد يواصل الدفاع عن رأيه، حتى بعد أن تبدأ الشكوك عنده، تجنبًا لذلك السؤال الثقيل: طيب، وكل ما قلته من قبل؟

والشاب الذي يدخل اليوم إلى السياسة يجد نفسه سريعًا أمام هذا الامتحان. يتخذ موقفًا، ينشره، ويصفق له أصحابه. وبعد فترة يقرأ شيئًا يجعله يتردد، فيحسب حسابهم قبل أن يكتب. نحن الأكبر سنًا يفترض أن نساعده على التفكير، لكننا أحيانًا نطالبه بأن يرث مواقفنا وخلافاتنا، ثم نغضب إن سأل عن أسبابها.

كبرت منذ تشرين الأول الذي أتذكره. تعلمت أشياء، واكتشفت أنني أخطأت في فهم أشياء أخرى. وما زلت أفرح حين أسمع فيروز، لكنني لم أعد أستطيع متابعة أخبار الحرب بحماس ذلك الطفل.

أريد أن أسأل عن النتائج، وعن الناس، وعن إمكان أن نفعل شيئًا أفضل. وقد أعود بعد السؤال إلى الموقف نفسه، لكنني أريد أن أصل إليه عن اقتناع.

كبرنا يا تشرين. ومن حقي، بعد كل هذه السنوات، أن أراجع رأيًا قلته، دون أن أُضطر في كل مرة إلى إثبات أنني ما زلت أحب فلسطين.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :