الوطن ليس مغنماً .. والوزارة ليست جائزة
د. بركات النمر العبادي
08-10-2026 01:49 PM
أعاد استطلاع «راصد» حول حكومة الدكتور جعفر حسان سؤالاً أكبر من مجرد التعديل الوزاري: لمن تُصنع الحكومات ؟ للنخب السياسية أم للمواطن؟
صحيح أن نسبة كبيرة من النواب والأحزاب تؤيد التعديل ، وأن أكثر من نصف الأحزاب المستطلعة تؤيد إدخال الأحزاب في الحكومة ، لكن هذه النتائج تعكس بالدرجة الأولى رأي الطبقة السياسية ، ولا تعكس بالضرورة رأي الأردنيين في مختلف المحافظات والأطراف.
وهنا مكمن الخلل.
كان الأولى أن نسمع صوت المواطن في القرى والبوادي والمخيمات والمحافظات ، وأن نسأل من يبحث عن عمل ، ومن يواجه ارتفاع كلفة المعيشة ، ومن ينتظر خدمة صحية أو فرصة لأبنائه، لا أن يقتصر قياس المزاج العام على النواب والأحزاب.
فالمواطن لا يعنيه كثيراً اسم الوزير بقدر ما يعنيه ماذا سيفعل الوزير؟ أما أن تتحول المطالبة بالمشاركة الحكومية إلى حق مكتسب لبعض السياسيين أو الأحزاب ، فهنا ينبغي التوقف. النائب ليس وزيراً مؤجلاً ، والحزب ليس مكتباً لتوزيع المناصب ، والوزارة ليست مكافأة على النشاط السياسي. فالمشاركة الحزبية في الحكم مطلوبة إذا كانت جزءاً من تطوير الحياة السياسية، لكنها يجب أن تقوم على البرنامج والكفاءة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية، لا على البحث عن مقعد وزاري أو موقع سياسي.
فالدولة ليست غنيمة تتقاسمها النخب ، والسياسة ليست طريقاً للامتياز الشخصي. ومن يدخل العمل العام يجب أن يدخل إليه وهو يحمل سؤالاً واحداً : ماذا سأقدم للوطن ؟ لا: ماذا سأحصل من الوطن؟ وبالمقابل، فإن هذا لا يعفي الحكومة من المحاسبة. فبعد عامين، من حق الأردنيين أن يسألوا عن فرص العمل ، والاستثمار، والخدمات، والتعليم، والصحة، وكلفة المعيشة، وعن نتائج رؤية التحديث الاقتصادي ، وعن الفارق الذي أحدثته السياسات الحكومية في حياة الناس.
لكن التعديل ، إن حدث ، يجب ألا يكون مجرد تغيير كراسي.
الأردن يحتاج إلى تغيير في معايير الاختيار قبل تغيير الأسماء : من ينجح يبقى ، ومن يفشل يرحل ، ومن يمتلك برنامجاً وكفاءة يُقدّم ، ومن يبحث عن المنصب لمجرد المنصب يجب أن يدرك أن الدولة أكبر من طموحه. فالوطن ليس مغنماً ، والمنصب ليس امتيازاً، والسياسة ليست طريقاً لتمضية الوقت. هذه هي الدولة التي نريدها: دولة تقيس المسؤول بالمهمة التي أنجزها ، لا بالجهة التي تطالب به.
إن الأردن اليوم بحاجة إلى الانتقال من سؤال "من سيكون الوزير؟" إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا سيفعل الوزير ؟ ولمن ؟ وبأي برنامج ؟ وكيف سيحاسب ؟" فالحكومة ليست نادياً سياسياً، والحزب ليس مكتب توظيف، ومجلس النواب ليس بوابة تلقائية للوزارة.
والدولة التي تُدار بمنطق توزيع المناصب تُضعف مؤسساتها ، أما الدولة التي تُدار بمنطق الكفاءة والمسؤولية فتقويها. ولذلك، فإن التعديل الوزاري الحقيقي لا يبدأ بتغيير أسماء الوزراء، وإنما يبدأ بتغيير فلسفة اختيارهم.
وفي بلد محدود الموارد، كبير التحديات، عميق التحولات كالاردن ، لا يجوز أن يكون المنصب العام مكافأة على الحضور السياسي ، ولا تعويضاً عن الطموح الشخصي. فالوزارة تكليف، والسياسة مسؤولية، والحزب مشروع لخدمة المجتمع، والنيابة أمانة، والوطن ليس مغنماً لأحد. ومن هنا، ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً من كل نتائج الاستطلاع: هل نريد حكومة تُرضي النخب السياسية، أم دولة تُرضي حاجات الأردنيين؟ والفارق بين السؤالين هو، في الحقيقة، الفارق بين سياسة تبحث عن السلطة، وسياسة تبحث عن الدولة.
حمى الله المملكة الاردنية الهاشمية
الامين العام المساعد للثقافة الحزبي - حزب المحافظين الاردني