ولي العهد في «ميد 9» .. الأردن يتحدث من موقع الشريك
محمد نور الدباس
10-10-2026 11:54 AM
لم تعد مشاركة الأردن في المحافل الدولية والإقليمية مجرد حضور دبلوماسي تقليدي، ولا مجرد تسجيل موقف في ملفات تعج بها المنطقة والعالم، بل أصبحت جزءاً من سياسة أردنية واضحة تقوم على الحضور الفاعل، والتأثير في مسارات الحوار، والدفاع عن المصالح الوطنية والقضايا العربية من موقع الشريك القادر على تقديم الرؤية والمبادرة.
وفي هذا السياق، تأتي مشاركة سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، في مؤتمر «ميد 9» في كرواتيا، ممثلاً لجلالة الملك عبد الله الثاني، لتكتسب أهمية سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود المشاركة البروتوكولية، خصوصاً أن الأردن أصبح حاضراً في هذا الإطار المتوسطي بوصفه شريكاً أساسياً في حوار يرتبط بصورة مباشرة بأمن أوروبا واستقرار الشرق الأوسط ومستقبل العلاقات بين ضفتي المتوسط.
إن دلالة مشاركة ولي العهد في «ميد 9» تكمن أولاً في طبيعة المنصة التي يتحدث الأردن من خلالها. فدول المتوسط الأوروبية لم تعد تنظر إلى المنطقة الجنوبية للمتوسط باعتبارها مجرد جوار جغرافي، وإنما باعتبارها جزءاً من منظومة أمنية واقتصادية وسياسية واحدة. وما يحدث في الشرق الأوسط ينعكس بصورة مباشرة على أوروبا؛ من الهجرة واللجوء، إلى أمن الطاقة، وسلاسل التوريد، والإرهاب، والأمن البحري، وصولاً إلى الاستقرار الاقتصادي والسياسي.
ومن هنا، فإن الأردن يدخل هذا الحوار من موقع مختلف؛ فهو ليس دولة تعيش على هامش الأزمات، بل دولة تقع في قلب منطقة تعصف بها الأزمات، ومع ذلك استطاعت أن تحافظ على استقرارها، وأن تقدم نموذجاً في الاعتدال السياسي، وفي إدارة علاقاتها الدولية، وفي بناء جسور التواصل بين الأطراف المختلفة.
ولعل الرسالة الأبرز التي حملها سمو ولي العهد إلى هذا المؤتمر هي أن أمن المتوسط لا يمكن فصله عن أمن الشرق الأوسط، وأن استقرار المنطقة لن يتحقق عبر إدارة الأزمات إلى ما لا نهاية، وإنما عبر معالجة جذورها السياسية والقانونية.
وفي مقدمة هذه الجذور تأتي القضية الفلسطينية؛ فلقد أكد الأردن، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني، على امتداد السنوات الماضية، أن القضية الفلسطينية ليست ملفاً إنسانياً يمكن اختزاله في المساعدات والإغاثة، وإنما هي قضية سياسية وقانونية تتعلق بحق شعب في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني. ولذلك فإن وضع القضية الفلسطينية في صدارة النقاشات الدولية يمثل في حد ذاته جزءاً من المعركة السياسية والدبلوماسية التي يخوضها الأردن.
وفي هذا السياق، فإن تأكيد ولي العهد على ضرورة وقف التصعيد، وحماية المدنيين، ورفض التهجير، واحترام القانون الدولي، يحمل رسالة واضحة إلى الشركاء الأوروبيين بأنه لا يمكن بناء أمن إقليمي مستدام بينما تبقى القضية الفلسطينية بلا حل، ولا يمكن مطالبة المنطقة بالاستقرار في الوقت الذي تستمر فيه أسباب عدم الاستقرار.
وهنا تتجلى أهمية الصوت الأردني؛ لأنه صوت دولة تعرف المنطقة جيداً، وتدرك مخاطر استمرار الصراع، وفي الوقت ذاته تمتلك علاقات متينة مع أوروبا والولايات المتحدة والعالم العربي، ما يجعلها قادرة على أداء دور الجسر بين مختلف الأطراف.
لكن مشاركة ولي العهد في «ميد 9» لم تكن سياسية فقط، فالأردن يدرك أن السياسة لا تنفصل عن الاقتصاد، وأن العلاقات الدولية في عالم اليوم تُبنى على المصالح المتبادلة بقدر ما تُبنى على المواقف السياسية.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن الطاقة والتجارة والتكنولوجيا والاستثمار يحمل أهمية خاصة للأردن. فالمملكة تسعى إلى الانتقال من مرحلة الاعتماد على المساعدات والمنح إلى مرحلة أوسع من الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن استقرارها، ومن قدرتها على أن تكون منصة إقليمية للطاقة والتجارة والخدمات والتكنولوجيا.
وهنا أيضاً تبرز قيمة مشاركة ولي العهد؛ فالحضور السياسي الرفيع يفتح أبواباً لحوار اقتصادي أوسع، ويمنح العلاقات الأردنية الأوروبية بعداً يتجاوز التعاون التقليدي نحو شراكات طويلة الأمد، فالأردن لا يبحث عن علاقة مع أوروبا تقوم على المساعدات وحدها، وإنما يسعى إلى علاقة قائمة على المصالح المشتركة، والاستثمار، ونقل التكنولوجيا، والطاقة، والتجارة، والتعليم، والأمن، والتنمية. وهذه هي المعادلة التي تجعل الشراكة أكثر استدامة وقدرة على مواجهة المتغيرات.
ولعل البعد الأهم في مشاركة سمو ولي العهد يتمثل في الحضور المتنامي لجيل جديد من القيادة الأردنية في المحافل الدولية، فولي العهد لا يتحرك بمعزل عن السياسة الأردنية العامة، وإنما يقدم امتداداً لها، مع قدرة متزايدة على التواصل مع القيادات السياسية والشبابية والاقتصادية في العالم، وهذا الحضور يمنحه فرصة لبناء شبكة من العلاقات الدولية التي ستكتسب أهميتها بصورة أكبر في المستقبل.
إن مشاركة ولي العهد في «ميد 9» يمكن أن تُقرأ أيضاً باعتبارها جزءاً من عملية إعداد سياسي ودبلوماسي متقدمة لمرحلة مقبلة، تقوم على الجمع بين الخبرة الأردنية المتراكمة والرؤية المستقبلية لجيل جديد من القيادة، وفي عالم يتغير بسرعة، لم يعد كافياً أن تكون الدولة حاضرة في الاجتماعات الدولية؛ المطلوب أن يكون لديها ما تقوله، وأن تمتلك القدرة على إقناع الآخرين بأن مصالحها الوطنية مرتبطة بمصالحهم.
وهذه تحديداً هي نقطة القوة الأردنية؛ فالأردن لا يقول لأوروبا إن أمننا مهم فقط، بل يقول إن أمن الأردن جزء من أمن المنطقة، وإن أمن المنطقة جزء من أمن أوروبا. ولا يقول إن القضية الفلسطينية شأن عربي فحسب، بل يؤكد أن استمرارها دون حل عادل سيبقى مصدراً دائماً لعدم الاستقرار الإقليمي والدولي.
كما أن الأردن لا يقدم نفسه باعتباره دولة تبحث عن الدعم فقط، بل باعتباره دولة يمكن أن تكون شريكاً في الطاقة، والأمن، والتجارة، والتكنولوجيا، ومواجهة التحديات العابرة للحدود، ومن هنا، فإن «ميد 9» ليست مجرد قمة أخرى تضاف إلى أجندة المؤتمرات الدولية، وإنما مساحة سياسية مهمة لإعادة تعريف العلاقة بين أوروبا والشرق الأوسط.
وفي هذه المساحة، جاء حضور ولي العهد ليؤكد أن الأردن يريد أن يكون في قلب الحوار، لا على هامشه؛ وأن يكون شريكاً في صياغة الحلول، لا مجرد متلقٍ لنتائجها، والرسالة التي خرجت من مشاركة سمو الأمير الحسين يمكن اختصارها في معادلة سياسية واضحة، وهي لا أمن لأوروبا دون استقرار في المتوسط، ولا استقرار للمتوسط دون استقرار في الشرق الأوسط، ولا استقرار للشرق الأوسط دون حل عادل للقضية الفلسطينية، وبين هذه الدوائر الثلاث، يقف الأردن بثبات، حاملاً موقفه السياسي، ومدافعاً عن مصالحه الوطنية، ومتمسكاً بثوابته العربية، ومنفتحاً في الوقت ذاته على شراكات دولية جديدة، وهذا هو المعنى الحقيقي للحضور الأردني في «ميد 9»، أي أن الأردن لا ينتظر أن يصنع الآخرون مستقبل المنطقة، بل يريد أن يكون شريكاً في صناعة هذا المستقبل.