أخطر ما يفعله التطرف أنه يتعامل مع الوطن كملكية خاصة، ومع المواطنة كشهادة حسن سلوك يمنحها لمن يشاء ويسحبها ممن يشاء. يبدأ بادعاء امتلاك الحقيقة، وينتهي إلى وصاية على ضمائر الآخرين وحقهم في الحياة. عندها لا يعود الاختلاف حقا طبيعيا؛ يصير تهمة تستدعي العقاب. في حمود، كان الناس يشيعون سيدة حين اختار القتلة لحظة الحزن ليطلقوا النار على أناس اجتمعوا حول الموت، وليحاولوا اغتيال معنى أعمق من حياة الضحايا: أن يقف الجار إلى جانب جاره، وأن تكون الكنيسة جزءا من البيت الوطني، وألا يحتاج المرء إلى تفسير صلاته كي يستحق الأمان. لم تكن الكنيسة حجارة وسقفا؛ كانت امتحانا لمعنى أن نكون أردنيين.
كيف يعبر إنسان المسافة بين الاختلاف والقتل؟ لا تكفي الإجابات الجاهزة عن الفقر أو الجهل أو التهميش؛ فالتطرف عرف طريقه إلى متعلمين وبيئات اجتماعية متنوعة. قد يبحث إنسان عن معنى ومكانة، فتمنحه جماعة مغلقة هوية وحكاية تجعله بطلا في معركة متخيلة. ثم تبدأ اللغة عملها الخطير: يُسمى القتل واجبا، ويُختزل الضحية إلى فئة، وتُرفع المسؤولية عن القاتل باسم قضية أعلى. هكذا يُقصى الضمير قبل الجسد؛ فحين لا يعود الآخر إنسانا في المخيلة، يسهل استباحته في الواقع.
الفكرة المتطرفة لا تعيش داخل الخلايا وحدها. تجد ما يغذيها في خطاب يحتقر المختلف، وفيمن يتعامل مع المواطنة كأنها منحة، وفي بيئة يُحاصر فيها الحوار ويُترك التعصب يتحدث بثقة. وحين لا يرى الطالب الكنيسة في وعيه المدرسي إلا أثرا من الماضي، ولا يلتقي المختلف إلا بوصفه ضيفا يحتاج إلى التسامح، يظل معنى المواطنة ناقصا مهما تكررت شعارات الوحدة الوطنية. فالمواطن لا يحتاج إلى إحسان من أحد؛ حقه في وطنه لا يتوقف على رضا الآخرين عنه.
المواجهة الأمنية ضرورة، والدولة مطالبة بحماية الناس والقانون ودور العبادة ومحاسبة المعتدين. أما الوقاية فتبدأ في البيت والمدرسة والمنبر والفضاء العام، حين يتعلم الناس أن الاختلاف لا ينتقص من أحد، وأن الحقيقة لا تمنح صاحبها سلطة على رقاب الآخرين. نحتاج إلى مراجعة شجاعة تفحص البيئات التي تجعل خطاب الكراهية ممكنا، وإلى مواطنة متساوية لا تقف عند باب الطائفة أو العائلة أو المعتقد.
ما يخيفني في الإرهاب أنه يريد قتل الإنسان مرتين: مرة برصاصته، ومرة حين يحاول زرع الشك فيمن بقوا أحياء. فإذا نظرنا إلى مصاب الجار كأنه مصاب جماعة أخرى، نكون قد تركنا له مواصلة جريمته بأيدينا. لا يكفي أن نقول إن «الكنائس بيوتنا»؛ علينا أن نجعل هذه الحقيقة حاضرة في تعليمنا وقوانيننا وعلاقاتنا اليومية. لا يملك أحد حق إخراج مواطن من وطنه، ولا إخراج إنسان من دائرة الإنسانية.
الدستور