حين تُشوَّه المفاهيم: مَن يسامح مَن؟ ومَن يتعايش مع مَن؟
د. آمال جبور
25-10-2026 12:53 AM
* ومن يمنح نفسه حق الوصاية على عقيدة الآخر؟
في أعقاب جريمة الكنيسة في حمود، تتكرر مفردات التسامح والتعايش في الفضاء العام، وكأن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين تقوم على تسامح يمنحه طرف للآخر، لا على حق متساوٍ في الوجود والاعتقاد والاختلاف. وهنا تبرز ضرورة التوقف عند هذه المفاهيم، ، لا لرفض ما تحمله من دعوات إلى المحبة والسلام، بل لمساءلة ما تنطوي عليه من افتراضات قد لا ننتبه إليها.
حين نقول إن علينا أن نتسامح مع المختلف، فإننا، من حيث لا نقصد، قد نضع أنفسنا في موقع من يملك حق القبول أو الرفض، ونضع الآخر في موقع من ينتظر هذا القبول. لكن لا يحق لأي إنسان، مهما كانت عقيدته أو مكانته أو انتماءاته، أن ينصّب نفسه حكماً على حق الآخرين في الوجود، أو أن يتعامل مع اختلافهم بوصفه خطأً يستحق أن يتسامح معه.
المسيحي ليس مذنباً حتى يسامحه المسلم على مسيحيته، والمسلم ليس مذنباً حتى يقبل المسيحي وجوده أو يتسامح معه بسبب إسلامه. كلاهما إنسان ومواطن، وحقوقهما ليست امتيازات دينية يتفضل أحدهما بمنحها للآخر، بل حقوق أصيلة لا تتوقف على رضا أحد أو موافقته.
وفي الأردن، نحن لا نعيش معاً لأن فئة تتسامح مع فئة أخرى، بل لأننا أبناء وطن واحد، شركاء في حقوقه ومسؤولياته ومستقبله. فالدولة الأردنية لا تنحصر هويتها الوطنية في انتماء واحد، والمواطنة فيها لا تتجزأ وفق العقيدة، ولا تتفاوت قيمتها باختلاف المعتقدات. ومن هنا، فإن السؤال ليس كيف نتسامح مع بعضنا، بل كيف نضمن ألا يتوهم أحد أن له سلطة على حقوق غيره أو على حريته أو على حياته، فباي حق اتسامح معك، او تتسامح معي؟؟؟؟؟
أما مفهوم «العيش المشترك»، الذي يتكرر بدوره كلما وقعت حادثة تكشف عن توتر ديني أو اجتماعي، فيحتاج إلى قدر من التدقيق. فالعيش المشترك ليس منّة يقدمها طرف لآخر، ولا اتفاقاً مؤقتاً بين جماعات متباينة، ولا هدنة بين عقيدتين، إنه واقع اجتماعي وحق إنساني، تحميه المواطنة والقوانين والعدالة والاحترام المتبادل. نحن لا نحتاج إلى أن نتعلم قبول الآخر، بل إلى أن ندرك أن وجوده وحقوقه لا يخضعان لموافقتنا، والمصيبة الكبرى أن يتخيل أحدنا أن الوطن له وحده، وأن الآخرين ضيوف فيه.
لسنا مطالبين بأن نحب عقائد بعضنا بعضاً، ولا ان نتفق في أفكارنا ومعتقداتنا، لكننا مطالبون بألا نحوّل اختلافنا إلى سلطة على الآخر، فثمة فرق جوهري بين أن أختلف معك، وبين أن أؤمن بعقيدتي وأفرضها عليك. الأول حق في الاختلاف، أما الثاني فهو بداية الوصاية، وقد يصبح حين تتطرف الأفكار وتغيب المساءلة، مدخلاً إلى الإقصاء والعنف.
لا تكفي المحاسبة القانونية والإدانات والخطابات الوطنية والعاطفية في مواجهة جريمة كنيسة حمود، بل تقتضي أيضاً مساءلة سنوات من الصمت والتهاون إزاء مؤشرات التطرف وخطاب الكراهية اللذين يظهران علناً على مواقع التواصل الاجتماعي، ويكشفان عن عقلية إقصائية متطرف همجية لا إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أين كانت المؤسسات المعنية حين كانت هذه الأفكار تتداول وتُروَّج؟ وما الذي فعلته المؤسسات التربوية والتعليمية لمواجهة جذور الجهل و التخلف والتعفن؟ لا يجوز للدولة أن تنتظر سقوط الضحايا كي تتحرك، فمسؤوليتها أن تواجه البيئة الفكرية التي تشرعن الكراهية والارهاب والتطرف، وتواجه الأفكار التي تصنع عقلاً يعتقد أن من حقه محاكمة الآخرين باسم عقيدته، وأن قتلهم قد يكون طريقاً إلى الجنة. المطلوب مراجعة جذرية وجريئة للمناهج والخطاب التربوي والإعلامي والاجتماعي، تكسر كل المحرّمات الفكرية وتُخضع المعتقدات والتفسيرات البشرية للنقد، بلا حصانة أو استثناء.
فالمعركة الحقيقية هي مع عقلٍ يعشعش بيننا، و يتوهّم أن عقيدته تمنحه سلطة تأديب الآخرين وإخضاعهم وترويعهم وقتلهم، لتكون طريقه الى جنة عرضها السموات والأرض..
الرحمة لشهداء قرية حمود، والشفاء العاجل للمصابين.