البعد الثقافي والعلمي لنشوء التطرف
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
25-10-2026 12:49 AM
التطرف باشكاله لا ينشأ فجأة و لكنه سلسلة من التغيرات التي تطرأ على العقل الباطن تبدأ بافكار متكررة تنتج تصور ذاتي باحتكار الحقيقة و الصلاح و كذلك الوصاية على الآخرين ثم تتحول الى قناعات تغلفها عواطف بالعادة سلبية مثل ازدراء المخالف او الشعور بالدونية و تعويضها بالنرجسية و شيطنة الآخر. هذا السلسلة اصبحت قناعة عميقة قد لا يعيها حتى الفرد نفسه و لكنها تتحول الى سلوك (لفظي، كتابي و فعلي) و تكرار السلوك يحوله لعادة او نمط. بالعادة يخفي هؤلاء السلوك بسلوك مخادع الى ان تتوفر لهم الفرصة او التحفيز فيظهر السلوك الحقيقي.
لكن من اين تأتي الافكار التي تؤدي للقناعات؟ انها التنشئة و الخطاب الاعلامي و الديني و التعليمي و الاجتماعي لكن اقواها هي تلك الافكار و السرديات التي تتكرر على اذن صاحبها خلف الابواب المغلقة من الاسرة و المجتمع الضيق.
لذلك فإن التطرف هو ثقافة فرد او فئة او مجتمع صغير او اكبر. فالثقافة هي قناعة و سلوك ينتجه المجتمع في تحديد الصديق و العدو و الحليف و المنافس بالاضافة لقيم و عادات و تقاليد و طقوس فرح و طقوس حزن و لباس و طعام و لهجات و فولكلور.
يميل البعض لحصر التطرف بالبعد الأمني و حصر التعامل معه بالترغيب و الترهيب و الاحتواء لكن الحقيقة ان ذلك يغير السلوك الظاهر اما القناعة فهي مخزنه عميقا في العقل الباطن خاملة تنتظر توفر الظروف لانتاج السلوك الحقيقي.
لذلك فالتطرف ليست نبته بلا جذور بل شجرة نشأت في بيئة ضيقة ملائمة سقيت بماء الافكار و تسمدت بسرديات الرفض للآخر و تشبعت بالشعور بأنها ضحية و ان الآخر هو الجلاد الذي تسبب بكل مآسيها.
شعور الضحية ضرورة لعدم مواجهة المسؤولية و القصور الذاتي و ازدراء الجلاد ضروري لتبرير ايذائه حتى لو لم يظهر منه عداء فالشيطنه للآخر و التعالي عليه اخلاقيا الخطوة الاولى لتبرير القتل و السلب و الايذاء.
هذه النبته ينمو حولها نباتات غذيت بنفس الافكار و السرديات و هي جاهزة للنمو و التطرف. سنرى جميعا من سقى و سمد هذه النبته في الصفوف الاولى لادانتها ليس قناعة و لكن جبنا و خسة و انحناءا للعاصفة ثم يعود سيرته الاولى بعد انقشاع الضباب.
ما حدث في الكرك أليم و مرفوض من الغالبية العظمى من الاردنيين لكنه يفتح سؤالا مهما؛ لو عرف المنفذ هل يكفي ام يجب ان نحفر عميقا لمن بنى تلك القناعات و عززها و السؤال الآخر من نشر الثقافة الثنائية الحدية اما ان توافقه او انت عميل رجعي متعصب.
إنني أرى أن هنالك ثقافة غريبة تتسرب الى مجتمعنا جوهرها اضعاف الهوية الوطنية و هذه اذا غابت فتحت المجال للارتداد للهويات الفرعية سواءا الدينية او الطائفية او العرقية او العشائرية او المناطقية. هذه الثقافة برأيي لا تنشأ من فراغ و لكن توصيفي لها منطلق من العلوم العصبية و أثرها في تشكيل الثقافة و العادات و المجتمع و السياسة. الدولة بمنظوري ثلاث طبقات المجتمع و حيز (فراغ) و سلطة (سيستم) و يغلفها جميعا مؤسسة الحكم (القيادة الهاشمية في الاردن). الخطورة تكمن في من يملأ طبقة الحيز فهذه لا تستطيع السلطة ملؤها بل تملأ من الاحزاب و العشائر و مؤسسات المجتمع المدني و التيارات السياسية المختلفة و القدوات السلبية و الايجابية. هذا الحيز هو من يملك الوعي المجتمعي فهو يخاطب العقل الباطن مباشرة اما السلطة او السيستم فهي تمتلك العقل الواعي و اذا استكفت بمجموعة مغلقة يتم تدويرها فهي لا تمتلك لا العقل الواعي و لا الباطن.
من يملأ هذا الحيز اليوم في الاردن يدعوني للقلق و لن استغرب انتشار التطرف باشكاله سواءا الديني او المذهبي او العرقي او العشائري او التطرف في السلوك الفردي الى الجرائم و الادمان و الخشونة في الحوار و السلوك و التنمر.
لقد كانت الخطيئة في تغييب و تهميش القدوات و المفكرين فالمجتمع لا يرعى مفكرا فهو محكوم بالمصالح الآنية و العواطف و اذا كانت الطبقة الثالثة (السلطة) تحارب التفكير و المفكر فهي تدفع الى التفكك بديل للاستقرار و هذا ما تم التعبير عنه في النظرية الشهيرة (counter elite formation).
مكافحة التطرف ليس شعارات بالرغم ان ذلك مهم في مراحل معينة لشد العضد لكن مكافحته ثقافية و امنية و في غياب البعد الثقافي و تهميشه ستكون تلك النباتات في حالة كمون تنتظر البيئة و الظرف المناسب.
حمى الله الاردن و قيادته و رحم الله شهداء الكرك و الهم اهلهم الصبر.