دمٌ واحد .. وربٌّ واحد .. ووطنٌ لا يركع!
كامل النصيرات
25-10-2026 12:27 AM
في الكرك، لا يرنّ جرسُ الكنيسة ليُعلن صلاةً فحسب، بل ليوقظَ التاريخَ من غفوته، ويذكّرَ العابرين من ثقوب الظلام بأنّ هذه الهضبة الجبليّة عصيّةٌ على الكسر، وأنّ ترابها جُبِلَ منذ الأزل من دمعةِ مريميةٍ وصهيلِ خيلٍ تكبيريّة.
في قرية «حمود»، حيث تتكئُ البيوتُ على أكتاف بعضها كأنها إخوةٌ في مضافة، وحيث لا تفرّقُ الريحُ حين تهبّ بين عبقِ البخور ورائحةِ القهوة المرّة، حاولَ غرباءُ الضمير أن يغتالوا «المروءة» وهي في أسمى تجلّياتها: في حضرة الموت، وبين يدي الله. لأنّ الجُبنَ لا يجرؤ أن ينظر في عيني الكركيّ وجهًا لوجه، ولأنّ الخفّاشَ يحترقُ إن مسّهُ نورُ الشهامة.
أطلقوا رصاصهم الأعمى على مشيّعين اجتمعوا لوداعِ راحلٍ، ظانّين بوهمهم المريض أنّ الرصاصَ يفرّقُ ما جمعهُ اللهُ والتاريخُ والخبزُ والملح. لم يدركوا أنّ الدّمَ الذي سالَ على بلاطِ الكنيسة في «حمود» هو ذاتُ الدمِ الذي روى أسوارَ القلعة، وهو ذاتُ النبضِ الذي يسري في شرايينِ إربد والسلط ومعان والزرقاء والرمثا وعمّان. في الأردن، حين يُجرحُ «بطرس»، ينزفُ «محمد»، وحين تبكي أمٌّ تحتَ ظلالِ الصليب، تلبسُ جارتها المسلمةُ السوادَ قبلها، وتفتحُ صدرَ بيتها للعزاء.
أيّ فكرٍ هذا الذي يستبيحُ حُرمةَ الموت، ويدنّسُ بيتَ العبادة، ويستقوي بالرصاصِ على عزّلٍ يرفعون أكفّهم بالدعاء؟ إنّهُ التطرّفُ حين يتجرّدُ من آخرِ ورقةِ توتٍ إنسانيّة، فيغدو مسخًا لا دينَ له، ولا وطنَ يؤويه، ولا سماءَ تقبلُ صلاته. إنّها الرصاصةُ الغادرةُ التي لم تُصوَّب نحو صدورِ أهلنا في الكرك فحسب، بل صُوّبت نحوَ قلبِ الفكرةِ الأردنيّةِ النبيلة؛ فكرةِ العيشِ الواحدِ الذي لم يُكتَب في دساتيرِ الورقِ وحدها، بل نُقِشَ في جيناتِ هذا الشعبِ الأبيّ.
لقد أخطأ القتلةُ العنوانَ مرّةً أخرى. فالكركُ لا تُؤتى من خاصرتها، والأردنيّون لا تزيدهم المحنُ إلا التحامًا كحجارةِ الصوّان؛ كلّما قرعتها المطارقُ أوريْتَ منها شررًا يحرقُ يدَ الضارب. غدًا، ستُغسلُ دماءُ الشهداءِ بدموعِ الفخر، وستُقرعُ أجراسُ كنيسةِ «حمود» أعلى ممّا كانت، وستُعانقُ أصداؤها تكبيراتِ المآذنِ المجاورة، لتقولَ لكلّ واهمٍ: هنا الأردن.. صخرةٌ تتحطّمُ عليها خناجرُ الغدر، وعباءةٌ دافئةٌ لا مكانَ تحتها إلا للأحرار.
المجدُ للشهداءِ الذين ارتقوا في بيتِ الله، والشفاءُ للجرحى الذين كتبوا بدمائهم وثيقةَ الأخوّةِ الأبديّة، والخزيُ والعارُ لكلّ يدٍ آثمةٍ ظنّت أنّ بإمكانها إطفاءَ قنديلٍ أوقدهُ اللهُ في قلبِ هذا الوطن.
الدستور