الاقتصاد الأردني بين إدارة الموارد وصناعة الفرص .. أين تكمن المشكلة الحقيقية؟
د. محمد فخري صويلح
25-10-2026 09:09 AM
تُختزل المشكلة الاقتصادية الأردنية، في كثير من النقاشات الرسمية والعامة، في محدودية الموارد الطبيعية، وارتفاع كلفة الطاقة، وضيق السوق المحلي، والظروف الجيوسياسية المحيطة بالمملكة،،، وهي تحديات حقيقية لا يجوز التقليل من آثارها، لكنها لا تقدم تفسيراً كافياً لاستمرار الفجوة بين الإمكانات الاقتصادية المتاحة والنتائج التنموية المتحققة.
فالأردن ليس دولة بلا موارد، وإنما دولة تختلف طبيعة مواردها عن الدول النفطية والصناعية الكبرى،،، لديه رأس مال بشري مؤهل، وموقع جغرافي مهم، وقطاع مصرفي مستقر، وكفاءات مهنية منتشرة عالمياً، وفرص واعدة في الخدمات والتكنولوجيا والصناعات الدوائية والسياحة والتعليم والخدمات الصحية.
ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار،،، هل تكمن المشكلة في ندرة الموارد، أم في محدودية قدرتنا المؤسسية على تحويل الموارد المتاحة إلى فرص اقتصادية منتجة ومستدامة؟
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في أن الأردن لا يملك ما يكفي من الموارد، بل في أن الاقتصاد لم ينجح بعد في تحويل ما يملكه من إمكانات إلى طاقة إنتاجية تتناسب مع احتياجات المجتمع وطموحاته.
أولاً: إدارة الندرة أم صناعة القيمة؟
اعتادت السياسات الاقتصادية الأردنية، بحكم الضغوط المالية المتراكمة، إعطاء الأولوية لإدارة الموازنة العامة، وضبط الإنفاق، وتحسين الإيرادات، والمحافظة على الاستقرار النقدي والمالي،،، وهذه سياسات ضرورية لحماية الاقتصاد من الاختلالات، لكنها لا تكفي وحدها لتأسيس اقتصاد قادر على التوسع وخلق الوظائف وتحسين مستويات المعيشة.
فالاستقرار المالي شرط للنمو، وليس بديلاً عنه، كما أن تحسين المؤشرات النقدية لا يعني بالضرورة تحسناً موازياً في قدرة الأسر على مواجهة أعباء الحياة.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي الصادرة في يونيو 2026 إلى نمو اقتصادي متوقع بنحو 2.7% خلال العام، في حين أظهرت بيانات دائرة الإحصاءات العامة بلوغ البطالة بين الأردنيين 21% في الربع الثاني من العام نفسه،،، وهي أرقام تعكس أن الاقتصاد يحافظ على قدر من الاستقرار، لكنه لم يبلغ بعد معدلات التوسع اللازمة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في سوق العمل.
ولذلك فإن السؤال الاقتصادي الأهم لم يعد مقتصراً على كيفية تخفيض العجز، وإنما يمتد إلى كيفية توسيع القاعدة الإنتاجية التي تولّد الإيرادات، وترفع الدخول، وتخفف تدريجياً الحاجة إلى المعالجات المالية المتكررة،،، فالاقتصاد الذي ينشغل بإدارة عجزه أكثر من صناعة فرصه، قد ينجح في تأجيل الأزمة، لكنه لا يضمن معالجة أسبابها.
ثانياً: رأس المال البشري،،، مورد لا يستثمر بكامل طاقته
يمتلك الأردن رصيداً مهماً من الكفاءات العلمية والمهنية، غير أن جزءً من هذا الرصيد يجد فرصته الاقتصادية خارج المملكة، بينما يواجه جزء آخر البطالة أو العمل بأجور لا تتناسب مع مؤهلاته وإنتاجيته الممكنة.
ولا ينبغي النظر إلى هجرة الكفاءات باعتبارها خسارة مطلقة؛ فالانتشار الأردني عالمياً يتيح فرصاً للتحويلات والاستثمار ونقل المعرفة وبناء الشراكات. لكن الخلل يظهر عندما يصبح السوق المحلي عاجزاً بصورة مستمرة عن استيعاب جانب معتبر من مخرجات التعليم.
والمطلوب ليس زيادة أعداد الخريجين أو التوسع في البرامج التعليمية بحد ذاته، بل إعادة بناء العلاقة بين التعليم والاقتصاد، بحيث تصبح المهارات والإنتاجية والقدرة على الابتكار أساساً للتأهيل والتوظيف.
فالأردن يحتاج، في هذا السياق، إلى الانتقال من مفهوم إعداد الباحثين عن الوظائف إلى إعداد القادرين على تأسيس الأعمال وتطوير الصناعات والخدمات والمنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.
ثالثاً: لماذا لا تتحول السيولة إلى استثمارات كافية؟
يتمتع القطاع المصرفي الأردني بدرجة معتبرة من المتانة والاستقرار، وهي ميزة استراتيجية يجب المحافظة عليها،،، لكن سلامة المؤسسات المالية، على أهميتها، لا تعني تلقائياً أن التمويل يتجه بالكفاءة المطلوبة نحو الأنشطة الأكثر قدرة على خلق القيمة المضافة.
فالمؤسسات المصرفية مطالبة بحماية أموال المودعين وإدارة المخاطر، ولا يجوز تحميلها مسؤولية تمويل مشروعات غير مؤهلة اقتصادياً،،، وفي المقابل، تقع على الدولة مسؤولية تهيئة بيئة استثمارية قادرة على إنتاج فرص قابلة للتمويل، تتوافر لها الجدوى والحوكمة والضمانات والتدفقات النقدية المناسبة.
وهنا تظهر أهمية تطوير أسواق رأس المال، وتوسيع أدوات التمويل والاستثمار، بما فيها الصكوك الإسلامية، وصناديق الاستثمار المتخصصة، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، فالمشكلة ليست مجرد توافر الأموال، وإنما توافر المشروعات المؤهلة لاستقطابها وتوظيفها بصورة منتجة.
فرأس المال لا يبحث عن الشعارات الاقتصادية؛ بل يبحث عن فرص واضحة، وعوائد معقولة، ومخاطر قابلة للقياس، وبيئة قانونية تحمي الحقوق.
رابعاً: الفجوة المؤسسية بين التخطيط والتنفيذ
لا يعاني الأردن من غياب الرؤى والخطط الاقتصادية،،، فرؤية التحديث الاقتصادي حتى عام 2033 تتضمن مستهدفات طموحة، أبرزها توفير مليون فرصة عمل إضافية، واستقطاب استثمارات تقدر بنحو 41 مليار دينار،،، لكن التحدي لا يتمثل في أهمية هذه المستهدفات أو سلامة الاتجاه العام للرؤية، وإنما في قدرة الجهاز المؤسسي على تحويلها إلى مشروعات ملموسة، ضمن جداول زمنية محددة ومسؤوليات واضحة.
وهنا يجب التمييز بين إنجاز الإجراءات وإنجاز النتائج؛ فإطلاق المبادرات، وتوقيع الاتفاقيات، وإعلان الحوافز ليست مؤشرات كافية لنجاح السياسة الاقتصادية، ما لم تنعكس على الاستثمار المنفذ، والصادرات، والإنتاجية، وفرص العمل الحقيقية.
كما أن تعدد الجهات المسؤولة عن الملف الاستثماري، أو عدم وضوح حدود صلاحياتها، قد يؤدي إلى إطالة دورة اتخاذ القرار وارتفاع كلفة الفرصة البديلة على المستثمر والاقتصاد معاً.
إن أخطر ما يواجه الاقتصاد ليس ضعف التخطيط وحده، وإنما اتساع المسافة بين القرار الاقتصادي وتنفيذه ومساءلة المسؤولين عن نتائجه.
خامساً: من الاقتصاد المحلي إلى صناعة الفرص الإقليمية
يفرض ضيق السوق الأردني التفكير خارج حدوده الجغرافية،،، فالأردن يستطيع أن يعزز موقعه بوصفه مركزاً إقليمياً للخدمات المهنية والمالية والتكنولوجية والتعليمية والصحية، إذا أحسن توظيف ميزاته البشرية والمؤسسية والتشريعية.
كما يمكن للمحافظات أن تتحول إلى مراكز إنتاج متخصصة، وفقاً لميزاتها النسبية، بدلاً من استمرار التركيز الاقتصادي والاستثماري في نطاق جغرافي محدود،،، والفرصة الحقيقية لا تتحقق بمجرد إنشاء المناطق الصناعية أو منح الإعفاءات، وإنما بوجود منظومات إنتاج مترابطة تشمل التمويل، والتدريب، والبنية التحتية، والتسويق، والنفاذ إلى الأسواق،،، فالدولة التي تنتظر الاستثمار تظل رهينة قرارات المستثمرين، أما الدولة التي تصنع الفرص الاستثمارية المدروسة فتملك قدرة أكبر على توجيه مستقبلها الاقتصادي.
سادساً: ثلاثة قرارات تنفيذية لإعادة توجيه المسار الاقتصادي
إن معالجة الاختلالات الاقتصادية تتطلب الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى قرارات مؤسسية مترابطة، وأقترح في هذا الإطار ثلاثة مسارات عملية:
1) تأسيس برنامج وطني لصناعة الفرص الاستثمارية،،، يتولى إعداد محفظة متجددة من المشروعات الإنتاجية القابلة للاستثمار والتمويل، موزعة قطاعياً وجغرافياً، وتستند إلى دراسات جدوى أولية واضحة،،، ويرتبط البرنامج بمجلس الوزراء، مع تحديد جهة تنفيذية مسؤولة عن جاهزية المشروعات، وتيسير التراخيص، وتسويق الفرص، ومتابعة انتقالها من مرحلة التصور إلى التشغيل الفعلي. ويجب أن يكون مكملاً لرؤية التحديث الاقتصادي لا إطاراً بيروقراطياً جديداً موازياً لها.
2) إطلاق منظومة وطنية لتمويل الاقتصاد المنتج،،، تقوم على الشراكة بين الحكومة والقطاع المصرفي والمؤسسات الاستثمارية والقطاع الخاص، لتطوير أدوات تمويل طويلة الأجل تستهدف الصناعات والخدمات ذات القيمة المضافة،،، وتشمل المنظومة تفعيل الصكوك وصناديق الاستثمار وآليات الضمان المدروسة، مع توزيع عادل للمخاطر، وحماية أموال المستثمرين والمودعين، وربط الحوافز بنتائج اقتصادية قابلة للقياس.
3) اعتماد نظام وطني للمساءلة عن النتائج الاقتصادية،،، يتضمن مؤشرات أداء ربع سنوية معلنة تقيس حجم الاستثمار المنفذ، والوظائف المستدامة المستحدثة للأردنيين، ونمو الصادرات، والإنتاجية، ومتوسط المدة اللازمة لإنجاز المعاملات الاستثمارية،،، ويجب ربط هذه المؤشرات بالجهات التنفيذية المسؤولة، وتقييم أدائها على أساس النتائج الفعلية، لا عدد المبادرات أو حجم الإنفاق أو الاتفاقيات الموقعة.
عودة للسؤال الأساس، أين تكمن المشكلة الحقيقية؟
لا يصح تحميل السياسات الحكومية وحدها مسؤولية جميع الاختلالات؛ فالقطاع الخاص مسؤول أيضاً عن الاستثمار والابتكار والإنتاجية، والمؤسسات التعليمية مسؤولة عن ملاءمة مخرجاتها، كما أن الظروف الإقليمية تفرض قيوداً لا يمكن تجاهلها،،، غير أن مسؤولية الدولة تظل محورية في بناء البيئة التي تحول هذه الأطراف إلى منظومة اقتصادية متكاملة.
لقد أثبت الأردن قدرته على المحافظة على الاستقرار في ظروف سياسية واقتصادية صعبة،،، والمطلوب اليوم أن ينتقل من إدارة هذا الاستقرار إلى استثماره، ومن المحافظة على الموارد المتاحة إلى تعظيم قيمتها الاقتصادية والاجتماعية،،، فالرهان الحقيقي ليس على حجم الموارد التي نملكها، وإنما على جودة المؤسسات التي تديرها، وكفاءة القرارات التي توظفها، وقدرتنا على تحويلها إلى إنتاج وفرص عمل وازدهار.
ومستقبل الاقتصاد الأردني لن يتحدد بما نفتقده من موارد، بل بما نستطيع صناعته من فرص، وما نمتلكه من إرادة مؤسسية لتحويل تلك الفرص إلى نتائج.
* مستشار المصرفية الإسلامية والحوكمة والاستثمار والتحول المؤسسي