facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تُستهدف الكنيسة .. يُختبر الأردن


المهندس قصي حرب
24-10-2026 10:16 AM

ليست كل الجرائم مجرد حوادث جنائية، فبعضها يتجاوز حدود المكان والضحايا، ليمسّ أمن الدولة، ويختبر مناعة المجتمع، ويستهدف الثقة التي تجمع أبناء الوطن الواحد، وما جرى في كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بمحافظة الكرك، ليس اعتداءً على مكان عبادة فحسب، بل جريمة تمسّ جوهر الهوية الأردنية، القائمة على المواطنة والشراكة والعيش المشترك.

من المغطس إلى الكرك، حكاية وطن لا تختصرها رصاصة.

في عام 2016، كتب الصحفي الأمريكي بيتر جيسيرير سميث مقالًا عن الأردن بوصفه أرضًا للوئام الإسلامي المسيحي، مستحضرًا المغطس بوصفه أحد أبرز المواقع الدينية في العالم، وما يمثله من قيمة تاريخية وروحية، وما يعكسه من صورة أردنية تجمع بين قدسية المكان وعمق التعايش بين أبناء المجتمع الواحد.

وفي عام 2018، تناول الصحفي الأمريكي تايلور لوك الدور الأردني في تعزيز التفاهم بين الأديان، مسلطًا الضوء على تجربة المملكة في بناء الجسور بين المجتمعات الدينية، ثم عاد الصحفي نفسه في تشرين الأول 2026 للكتابة عن الاعتداء على كنيسة في الكرك، المحافظة التي عُرفت تاريخيًا بحضور مسيحي أصيل وعلاقات متجذرة بين المسلمين والمسيحيين.

إنها مفارقة تستحق التوقف عندها، فالمكان الذي عُرض أمام العالم نموذجًا للتعايش، أصبح مسرحًا لجريمة تهدد هذا التعايش، لكن الجريمة، مهما بلغت بشاعتها، لا تختصر تاريخ الأردن، ولا تلغي حقيقة أن المسلمين والمسيحيين فيه شركاء في الأرض والمصير، وأن وحدة المجتمع ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل ركيزة من ركائز الأمن الوطني.

من استهدف الكنيسة لم يعتدِ على المسيحيين وحدهم، بل اعتدى على الأردن في واحدة من أكثر نقاط قوته حساسية، وهي وحدته الوطنية.

وفي الثاني والعشرين من أيلول 2026، أكد جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن الأردن يحمي المسيحية ومجتمعاتها وإرثها في موطنها الأصلي والتاريخي، بالتوازي مع الدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام في مواجهة أصوات الكراهية، وهو موقف يجسد نهجًا أردنيًا راسخًا تقوده القيادة الهاشمية، ويعكس مسؤولية الدولة في حماية المقدسات، وترسيخ الاعتدال، وصون كرامة الإنسان وحقه في ممارسة شعائره الدينية بأمان.

إن هذا الموقف الملكي ليس استجابة لحدث عابر، بل امتداد لدور أردني تاريخي في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية، وتعزيز الحوار بين الأديان، وتقديم نموذج يقوم على أن التنوع الديني مصدر غنى للمجتمع، وأن المواطنة هي الأساس الذي يجمع أبناء الوطن، وأن مواجهة التطرف مسؤولية وطنية لا تقبل التهاون.

ومن هنا، فإن الاعتداء على كنيسة في الكرك لا ينتقص من هذه الرسالة الأردنية، بل يؤكد أهمية الالتفاف حولها، وتعزيزها، ومواصلة الجهود التي تبذلها القيادة الهاشمية ومؤسسات الدولة في مواجهة التطرف والكراهية، وحماية أمن المجتمع واستقراره، وصون النموذج الأردني الذي تشكل عبر عقود من التعايش والشراكة الوطنية.

إن قوة السردية الأردنية لا تنبع من الشعارات، بل من تاريخها ومواقفها ومؤسساتها، ومن قدرتها على حماية قيمها في مواجهة التحديات.

وهنا تبرز أهمية السردية الأردنية التي حملتها القيادة الهاشمية إلى العالم، والتي تؤكد أن الصراع ليس بين الأديان، وأن حماية المسيحيين ليست قضية تخص المسيحيين وحدهم، كما أن حماية المسلمين ليست مسؤولية المسلمين وحدهم، بل إن حماية الجميع مسؤولية الدولة والمجتمع، وأن التطرف، مهما كانت مرجعياته أو دوافعه، يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الوطني وللنسيج الاجتماعي.

إن هذه السردية تستحق أن تُصان وتُعزّز، وأن تتحول إلى ممارسة متجددة في التعليم والإعلام والعمل العام، وفي سياسات الوقاية من التطرف، وتعزيز ثقافة المواطنة، وحماية دور العبادة، وترسيخ احترام الآخر، حتى تبقى قيم الاعتدال والتعايش جزءًا حيًا من وجدان الأجيال الأردنية.

الأمن الوطني لا يُقاس فقط بقدرة الدولة على حماية حدودها، بل أيضًا بقدرتها على حماية الثقة بين مواطنيها.

ومن هنا، لا بد من قراءة الحادثة في ثلاثة أبعاد مترابطة، أولها البعد الأمني، الذي يقتضي كشف ملابسات الجريمة، وتحديد مرتكبيها ودوافعهم، ومحاسبتهم وفق القانون، وتقييم أي ثغرات يمكن أن تسمح بتكرار مثل هذه الاعتداءات، وثانيها البعد الاجتماعي، الذي يفرض حماية العلاقة بين أبناء المجتمع من الشائعات والتعميم والتحريض، وثالثها البعد الاستراتيجي، الذي يستوجب إدراك أن استهداف دور العبادة يمكن أن يتحول إلى أداة لإثارة الخوف، وإضعاف الثقة، وفتح شروخ داخل المجتمعات المتماسكة.

ولا يجوز أن نستبق التحقيقات، أو أن نوجّه الاتهامات إلى جهة داخلية أو خارجية من دون أدلة موثوقة، فالموقف الوطني المسؤول لا يقوم على التخمين، بل على الحقيقة، ولا يخلط بين الجهة التي قد تستفيد من اضطراب المجتمع والجهة التي يثبت تورطها في صناعته.

وفي محيط إقليمي تتشابك فيه الصراعات السياسية والدينية، وتُستغل فيه الهويات أحيانًا لتوسيع دائرة النزاع، تزداد أهمية حماية النموذج الأردني، لا باعتباره صورة إعلامية، بل باعتباره خيارًا وطنيًا واستراتيجيًا، يقوم على المواطنة، وصون المقدسات، ورفض تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات بين الأديان.

أما الكرك، فهي ليست مجرد مكان وقعت فيه الجريمة، بل جزء أصيل من الذاكرة الوطنية الأردنية، وتاريخها شاهد على أن المسلمين والمسيحيين لم يكونوا يومًا غرباء عن بعضهم بعضًا، بل جمعهم الوطن، وتشاركت عائلاتهم الحياة والعمل والمناسبات، وصنعوا معًا صفحات من تاريخ الأردن.

ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد هذه الجريمة هو أن تتحول إلى مناسبة لإعادة إنتاج خطاب الفرقة، أو أن يُحمّل المسلم مسؤولية فعل متطرف، أو يُطلب من المسيحي إثبات انتمائه، أو تُستدعى العشيرة والمنطقة والدين في غير موضعها، فالعدالة تلاحق الجاني، ولا تدين جماعة بأكملها، والمواطنة لا تتجزأ، وحرمة الدم لا تختلف باختلاف الدين.

المسيحيون في الأردن ليسوا ضيوفًا على وطنهم، والمسلمون ليسوا حراسًا على مواطنة غيرهم، بل نحن شركاء في الأرض والمصير، تجمعنا الدولة، وتصوننا المواطنة، ويحمي مستقبلنا انتماؤنا المشترك.

إن المطلوب اليوم يتجاوز بيانات الإدانة، إلى مواصلة الجهود الوطنية التي تقودها الدولة ومؤسساتها في مكافحة التطرف، وتعزيز حماية دور العبادة، وتطوير أدوات الوقاية والرصد المبكر للخطابات المحرّضة على العنف، وتوسيع الشراكة بين المؤسسات الأمنية والتربوية والدينية والإعلامية، وترسيخ ثقافة المواطنة والاعتدال في المجتمع.

كما أن مسؤولية النخب السياسية والإعلامية والاجتماعية تقتضي التعامل مع الحادثة بوعي، فلا تُهوّن من خطورتها، ولا تستثمر في الخوف، ولا تسمح للشائعات بأن تتحول إلى حقائق متداولة، فالكلمة في لحظات الأزمات قد تكون جسرًا يحمي المجتمع، وقد تصبح أداة توسّع الشرخ فيه.

إن دعم جهود الدولة في مواجهة التطرف لا يعني الاكتفاء بما تحقق، بل يقتضي البناء عليه، وتعزيز أدوات الوقاية، وتطوير السياسات، وترسيخ الشراكة بين الدولة والمجتمع، والالتفاف حول القيادة الهاشمية في حماية أمن الأردن ووحدته الوطنية، ومواصلة المسيرة التي جعلت من الاعتدال والتعايش جزءًا من رسالة المملكة ومكانتها.

إن الأردن لا يحتاج إلى الادعاء بأنه محصّن من كل جريمة، بل إلى مواصلة العمل على تعزيز قدرته على حماية مواطنيه، وتطوير مؤسساته، وترسيخ عدالته، ورفع مناعة مجتمعه، بما يضمن ألا تتحول الجريمة إلى شرخ وطني، وألا يجد التطرف طريقًا إلى عقول أبنائه أو إلى علاقاتهم بعضهم ببعض.

من المغطس إلى الكرك، ليست الحكاية حكاية كنيسة ومسجد، بل حكاية وطن اختار أن تكون المواطنة أساس العلاقة بين أبنائه، وأن يكون الاعتدال جزءًا من هويته، وأن تبقى كرامة الإنسان فوق كل اعتبار.

والرد الحقيقي على هذه الجريمة لا يكون فقط بالوصول إلى مرتكبيها، بل بإفشال أي محاولة لتحويل دماء الضحايا إلى وقود للكراهية، أو تحويل دور العبادة إلى ساحات للصراع، أو دفع الأردنيين إلى الشك في بعضهم بعضًا.

فالقتلة لا يمثلون دينًا، ولا عشيرة، ولا محافظة، ولا وطنًا، بل يمثلون جريمتهم وحدهم، ولن يُسمح لكراهيتهم أن تختطف هوية الأردن، أو أن تنال من وحدة أبنائه، أو أن تعبث بإرث وطني صنعه الأردنيون عبر أجيال من الشراكة والتعايش.

إن الأردن الذي تقوده القيادة الهاشمية، وتحصّنه مؤسساته الوطنية، ويحميه وعي أبنائه ووحدتهم، لن يكون ساحة للفتنة، ولن يسمح للتطرف بأن يفرض منطقه على المجتمع، وستبقى مواجهة الكراهية مسؤولية دولة ومجتمع، تتطلب المزيد من اليقظة والعمل والتكاتف.

ومن هنا، فإن الواجب الوطني اليوم هو الالتفاف حول القيادة الهاشمية، وتعزيز الثقة بمؤسسات الدولة، ومواصلة الجهود لحماية أمن الأردن واستقراره، وصون سرديته الوطنية القائمة على الاعتدال والمواطنة والتعايش، فهذه ليست معركة المسيحيين وحدهم، ولا المسلمين وحدهم، بل معركة الأردن كله في الدفاع عن هويته ومستقبله.

حين تُستهدف الكنيسة، يُختبر الأردن، وحين يقف الأردنيون صفًا واحدًا خلف قيادتهم الهاشمية، متماسكين في وجه التطرف، متمسكين بوحدتهم الوطنية، يدرك كل من يراهن على الفرقة أن الأردن عصيّ على الانقسام، وأن أمنه ووحدته وكرامة أبنائه خطوط وطنية لا تقبل المساس.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :