facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




العيش المشترك .. تربيةٌ تبدأ من الأسرة، وتترسّخ في المدرسة


غدير حدادين
24-10-2026 10:51 AM

ليست المشكلة اليوم كيف نحتوي الصدمة بعد وقوعها، بل كيف نبني وعيًا يحول دون تكرارها. فما شهدته الكرك يدعونا إلى ما هو أبعد من الإدانة والتضامن؛ إلى مراجعة حقيقية للمنظومة التربوية والاجتماعية التي تُشكّل وعي الإنسان، وتحدد نظرته إلى الآخر.

فالإنسان لا يولد متعصبًا، بل يتعلّم كيف ينظر إلى المختلف عنه؛ وهنا تبدأ مسؤولية الأسرة، وتتعمّق مسؤولية المدرسة، وتبرز مسؤولية المناهج.

في الأسرة، يتعلّم الطفل أولى دروسه في قبول الآخر أو رفضه؛ من الكلمات التي يسمعها، والأحكام التي يراها، وطريقة تعامل والديه مع المختلفين عنهم. فالطفل الذي يسمع خطابًا ينتقص من الآخر، يصعب أن نطالبه لاحقًا باحترامه، كما لا يمكن أن نزرع فيه المحبة بالكلام، بينما يرى في سلوكنا نقيضها.

أما المدرسة، فليست مكانًا لتلقين المعرفة وإعداد الطلبة للامتحانات فحسب، بل هي مساحة لصناعة الوعي وبناء الضمير الوطني. فيها يتعلّم الطالب أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن المواطنة تجمعنا دون أن تلغي تنوّعنا، وأن كرامة الإنسان وحقه في الأمن والعبادة لا يخضعان للنقاش أو التمييز.

وهنا تبرز أهمية مراجعة المناهج، ليس بإضافة عبارات عن التسامح والعيش المشترك فحسب، بل بتضمين هذه القيم في مضمون التعليم وأساليبه، وتعزيز التفكير النقدي، والحوار، واحترام التعددية، ومواجهة الصور النمطية والتعصب. فالمناهج لا ينبغي أن تكتفي بتعليم الطالب ما يفكر فيه، بل أن تساعده على كيف يفكر، وكيف يميّز بين الاختلاف والكراهية، وبين حرية الرأي والتحريض.

إن التربية على المواطنة لا تتحقق بدرس عابر أو شعار على جدار، بل بممارسة يومية تجعل العدالة والاحترام وقبول الآخر جزءًا من ثقافة المدرسة، وبشراكة حقيقية بين الأسرة والمعلم والمؤسسة التعليمية.

لقد صان الأردن، عبر تاريخه، قيم المحبة وحسن الجوار، لكن هذه القيم تحتاج إلى حماية مستمرة، وإلى أجيال تتشرّبها وعيًا وسلوكًا، لا أن تستحضرها فقط حين تقع المآسي.

إن حماية الوطن تبدأ قبل أن تصل الكراهية إلى الشارع؛ تبدأ من كلمة في البيت، وفكرة في كتاب، وموقف داخل الصف.

فلا نريد جيلًا يحفظ معنى العيش المشترك، بل جيلًا يمارسه. ولا نريد مناهج تتحدث عن التسامح، بل تعليمًا يصنع إنسانًا يحترم الآخر حتى حين يختلف معه.

لأن الأوطان لا يحميها الأمن وحده، بل يحميها أيضًا وعيٌ تربوي، وأسرة مسؤولة، ومدرسة تؤمن برسالتها، ومناهج تبني الإنسان قبل أن تكدّس المعلومات.

ومسؤوليتنا اليوم ليست أن نعلّم أبناءنا كيف يدينون الكراهية بعد وقوعها، بل كيف يرفضونها في أفكارهم وسلوكهم قبل أن تتحول إلى فعل.

*مديرة مدرسة الروم الكاثوليك الأشرفية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :