نور العقل في مواجهة ظلام التعصب
مجد جلال عباسي
24-10-2026 11:22 AM
التعصب الديني هو العدو الأزلي للعقل البشري، والنافذة التي تسلل منها الظلام لتدمير المجتمعات، وتقويض أركان العيش المشترك. فعلى مر العصور، لم يقتصر صراع الفكر الإنساني على محاربة الجهل فحسب، بل امتد ليكون معركة ضارية ضد وتكفير الآخر. ومن هنا تتجلى القيمة الكبرى لأعلام الفكر والتنوير للتأكيد على أن الدين في جوهره أخلاق وسلام، لا سيفاً مسلطاً وثقافة إلغاء.
إن جوهر الرسالات السماوية يقوم على الرحمة والمحبة والإنسانية بعيداً عن التعصب؛ فقد نادى السيد المسيح عليه السلام بنبذ الرياء الديني والتعصب العرقي، داعياً إلى التسامح الشامل واحتضان الآخر بمحبة خالصة. بينما دعا النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى التحرر من العصبيات الضيقة وإرساء قواعد المساواة والعدل المطلق.
ولقد أثبت المفكرون والفلاسفة والمؤرخون أن التعصب الديني لا ينتج سوى الخراب الفكري والاجتماعي، وأن النور الحقيقي يكمن في إعلاء لغة الحوار، والتسامح، وسيادة القانون. والتاريخ يعيد نفسه في معادلة حتمية: الظلاميون يفشلون دائماً في كسر إرادة الشعوب الحية. فهجمات الكرك الإرهابية لم تكن سوى اختبار جديد لصلابة المجتمع الأردني، اختبار سقطت فيه قوى الشر والتطرف، بينما سطع فيه المعدن الأصيل للأردنيين بكل مكوناتهم.
إن الاعتداءات الجبانة التي استهدفت الكرك وأمن الأردن لم تزدِ الشعب الأردني – مسلماً ومسيحياً – إلا تلاحماً، واتحاداً، وتمسكاً بالهوية الوطنية الجامعة. لقد أثبت الأردنيون يوماً بعد يوم، وبمواقف مشهودة في كل محنة، أن بيوت الله (مساجد وكنائس) هي منارات للسلام، وأن الدم الأردني المسفوك على أرض الكرك الطاهرة اختلط ببعضه دفاعاً عن ترب هذا الوطن الغالي.
إن مكافحة التعصب الديني اليوم لا تتطلب فقط المواجهة الأمنية الحاسمة ضد الإرهاب، بل تستدعي وقفة فكرية وثقافية جادة؛ تُرسّخ مفاهيم المواطنة الحقة، وقبول الآخر، ونبذ لغة التكفير والإقصاء من جذورها. ويمتد هذا الوعي الإنساني والوطني ليتسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية ومجالسنا الخاصة – سواء مجالس المسلمين أو المسيحيين – حيث يجب أن يكون الحاضر هو "الحديث بالحسنى" والتقدير المتبادل، بعيداً عن التناجي بما يجرح مشاعر الشركاء في الوطن. فحتى "المزاح" والدعابات العابرة في هذه الأمور قد تُساء تفسيرها، وتتخذها الأيدي الظلامية ذريعة لزرع الشكوك والفرقة؛ لذا وجب اليقظة والارتقاء بالخطاب اليومي ليكون حصناً منيعاً للوحدة الوطنية.
إن دماء شهداء الأردن، وتاريخ أحرار الفكر، تترك لنا رسالة واضحة لا لبس فيها: التعصب زائل، والوطن باقٍ. وكلما حاول المتطرفون النيل من نسيجنا الاجتماعي، خرج الأردنيون أكثر مناعة، وأشد تلاحماً، وأقوى إيماناً بأن وطنهم سيظل واحة أمن وتسامح، لا مكان فيه للظلام ولا للمتعصبين.