صناعة التطرف وخطاب الكراهية: الإصلاح يبدأ بمواجهة الأسباب لا بجلد الذات
د. محمود أبو رمان
24-10-2026 11:55 AM
ليس أخطر على الأوطان من التطرف وحده، بل من البيئة التي تسمح بنموه، والأفكار التي تغذيه، والممارسات التي تهيئ له، والمؤسسات التي تتجاهل المشكلات حتى تتحول إلى أزمات تهدد أمن المجتمع واستقراره.
إن مواجهة الإرهاب والتطرف لا تكون بجلد الذات أو بتبادل الاتهامات، ولا بخطابات موسمية تظهر بعد كل حادثة ثم تختفي، بل بالاعتراف بالمشكلات، ومعالجة جذورها، وتعزيز العدالة، ومحاسبة المقصرين، وإعادة الاعتبار للعلم والكفاءة والاعتدال.
فالتطرف ليس غلوًّا دينيًا فحسب؛ بل قد يكون تطرفًا في الرأي، وتعصبًا للفكر، وإقصاءً للمخالف، وإساءةً لاستخدام السلطة، ورفضًا لكل محاولة جادة للإصلاح والتطوير.
المؤسسات الدينية شريك أساسي في حماية المجتمع
تقع على وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، ودائرة الإفتاء العام، ودائرة قاضي القضاة والمحاكم الشرعية، ورجالات القضاء الشرعي وكوادره، إلى جانب الكنائس ورجالاتها وكوادرها، مسؤولية وطنية وأخلاقية كبيرة في نشر العلم الصحيح، وتعزيز ثقافة التسامح والتعايش، ومواجهة التعصب وخطاب الكراهية، وترسيخ احترام كرامة الإنسان وحقوقه.
وهذه المسؤولية لا تتحقق بالجهود المنفردة، بل تتطلب تشاركية حقيقية مع المؤسسات التعليمية والإعلامية والاجتماعية والقانونية ومؤسسات المجتمع المدني، لبناء خطاب وطني جامع يحصّن الأجيال من الفكر التكفيري، ويعالج أسباب الغلو، ويقدم إجابات علمية وحكيمة عن قضايا الناس وتحدياتهم.
كما أن إعداد الدعاة وتأهيلهم علميًا وفكريًا واجتماعيًا، وتمكينهم من فهم واقع المجتمع، ضرورة لا تقل أهمية عن مواجهة الفكر المتطرف. فمحاربة التطرف تبدأ من جذوره، ولا تتحقق بمجرد إدانة مظاهره، بل بنشر العلم، وتصحيح المفاهيم، وتعزيز الحوار، وتقديم خطاب ديني يجمع بين الثوابت الشرعية وفهم الواقع ومراعاة حاجات الناس.
حين يتحول النقاش حول الأسرة إلى خطاب كراهية
من المؤسف ما نشهده أحيانًا عند طرح تعديلات تشريعية مشروعة تتعلق بقانون الأحوال الشخصية أو شؤون الأسرة والطفل، من حملات استهزاء وتجريح وتخوين وانتقاص من أصحاب الرأي والمبادرات، بدل مناقشة المقترحات بالحجة والدليل والعلم.
إن الاختلاف حول التشريعات حق مشروع، والنقد الموضوعي ضرورة لتطويرها، لكن السخرية والإقصاء والتشهير لا تصنع إصلاحًا، ولا تحمي الأسرة، ولا تخدم مصلحة الطفل.
ومن حق المجتمع أن يناقش مشروعات القوانين ويعترض عليها ويطالب بتعديلها، لكن الواجب أن يكون الحوار قائمًا على احترام المخالف، وفهم النصوص ومقاصدها، ودراسة آثار التشريع، بعيدًا عن احتكار الحقيقة أو توظيف الدين لإسكات الآخرين.
فإذا كان النقاش حول إصلاح الأسرة يُواجَه بالتخوين والاستهزاء بدل الحوار، فكيف نريد أن نربي أبناءنا على التسامح ونحمي مجتمعنا من التعصب والتطرف؟
إن حماية الأسرة لا تكون بتجميد الاجتهاد أو رفض مراجعة التشريعات، بل بتطويرها على أساس العدل، ومصلحة الطفل، وصون الحقوق، وتحقيق التوازن بين المسؤوليات الأسرية، والاستفادة من الخبرات الشرعية والقانونية والاجتماعية.
الظلم والإقصاء يضعفان الثقة ويهددان السلم المجتمعي
قد يتغذى خطاب الكراهية على الظلم والإقصاء وغياب العدالة، وعلى تهميش أصحاب الكفاءة والرأي المعتدل، وتقديم المصالح الشخصية على المصلحة العامة.
وحين يُقصى صاحب الرأي لأنه يكشف خللًا، أو يُهمَّش صاحب الكفاءة لأنه لا يجيد المجاملة، أو تُقدَّم العلاقات الشخصية على القدرة على الإنجاز، فإن المؤسسات تخسر طاقاتها، والمجتمع يخسر فرص الإصلاح، وتتعزز لدى الناس قناعة خطيرة بأن الصمت أسلم من المبادرة.
وهنا تبرز ضرورة مراجعة أداء المؤسسات، واختيار المسؤولين وفق الكفاءة والنزاهة والقدرة على حل المشكلات، ومحاسبة من يثبت تقصيره أو إساءته لاستخدام صلاحياته وفق القانون والإجراءات العادلة، وحماية أصحاب الرأي المعتدل والمبادرات الإصلاحية من الإقصاء والتهميش.
كما أن التفكك الأسري والنزاعات بين أفراد الأسرة وما قد يرتبط بها من عنف وجرائم تستوجب معالجة جادة، وتكاملًا بين القضاء والمؤسسات الدينية والاجتماعية والتربوية، وتطويرًا للتشريعات وآليات الوقاية والإرشاد والإصلاح الأسري.
فغياب الشعور بالعدالة من أخطر ما يواجه الإنسان والمجتمع؛ ولا يكفي أن تكون الحقوق مقررة في النصوص، بل يجب أن يشعر الناس بأن أصواتهم مسموعة، وشكاواهم محل اهتمام، وكرامتهم مصونة، وأن القانون يُطبَّق على الجميع دون انتقائية.
من التشخيص إلى الإصلاح العملي
إن المرحلة تتطلب الانتقال من تشخيص الخلل إلى اتخاذ قرارات عملية لمعالجته، من خلال:
* إطلاق حوار وطني مؤسسي يجمع الأوقاف والإفتاء والقضاء الشرعي والكنائس، إلى جانب المؤسسات التعليمية والإعلامية والاجتماعية والقانونية، لوضع برامج مشتركة لنشر التسامح ومواجهة التطرف وخطاب الكراهية.
* تطوير إعداد الدعاة والخطاب الديني، وربطهما بقضايا الناس الواقعية، وتعزيز الحوار بين أتباع الأديان والمذاهب، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي تغذي التعصب والتكفير.
* فتح حوار تشريعي جاد حول قضايا الأسرة والطفل، تشارك فيه الخبرات الشرعية والقانونية والاجتماعية والنفسية، وتُناقش فيه التعديلات المقترحة بموضوعية، بعيدًا عن التخوين والسخرية والتشهير.
* تعزيز الوقاية من العنف والجرائم الأسرية، وتفعيل الإرشاد والوساطة الأسرية، ودراسة أسباب جرائم القتل والنزاعات المتفاقمة، والاستفادة من نتائجها في تطوير التشريعات والسياسات الاجتماعية.
* تقييم أداء المؤسسات ومساءلة المقصرين وفق معايير واضحة للكفاءة والنزاهة والإنجاز، مع حماية حرية الرأي والنقد المشروع، وضمان تطبيق القانون بعدالة.
* قياس نتائج برامج الإصلاح ومراجعتها دوريًا حتى لا تبقى المبادرات مجرد بيانات واجتماعات، بل تتحول إلى إجراءات ملموسة يلمس أثرها المواطن في حياته اليومية.
إن هذه الدعوة ليست اتهامًا لمؤسسة بعينها، ولا انتقاصًا من جهود المخلصين، بل دعوة إلى مراجعة مسؤولة تستثمر الخبرات الوطنية، وتصحح مواطن الخلل، وتمنع المصالح الشخصية من تعطيل الإصلاح.
محبة الوطن مسؤولية ومبادرة
إن محبة الوطن والوفاء للقيادة لا يكونان بالشعارات وحدها، بل بالصدق في نقل الواقع، والشجاعة في كشف الخلل، والمبادرة إلى تقديم الحلول، واحترام أصحاب الفكر والخبرة، وعدم ترك المشكلات تتراكم حتى تتحول إلى أزمات.
ومن يحب وطنه لا ينتظر وقوع الكارثة حتى يتحرك، ولا يكتفي بإطفاء الحرائق بعد اشتعالها، بل يسعى إلى منعها، ويقدم الحلول، وينصح بصدق، ويؤمن بأن النقد المسؤول والإصلاح العادل من صور الانتماء الحقيقي.
كما أن الوفاء للقيادة يقتضي نقل الواقع كما هو، دون تجميل مضلل أو إخفاء للحقائق؛ فالقرار السليم يحتاج إلى معلومات صادقة، والإصلاح لا يتحقق إذا حُجبت المشكلات عن أصحاب القرار.
إن الأوطان لا يحميها الصمت عن الأخطاء، ولا إقصاء المخلصين، ولا السخرية من دعاة الإصلاح؛ بل تحميها شجاعة تصحيح الأخطاء، والعدالة، والعلم، والتعاون بين جميع المؤسسات والجهات المعنية.
الخاتمة: الإصلاح قرار ومسؤولية
إننا لا نريد مزيدًا من الاجتماعات والبيانات التي تنتهي دون نتائج، بل نريد قرارات قابلة للتنفيذ، ومسؤوليات محددة، ومحاسبة عادلة، وشراكة وطنية حقيقية لا تستثني أحدًا.
نحتاج إلى مؤسسات دينية تصنع الوعي ولا تكتفي بالمظاهر، وتشريعات عادلة تواكب حاجات الأسرة والمجتمع، ومسؤولين يواجهون المشكلات بدل دفنها، ومؤسسات تحترم الرأي المعتدل ولا تخشى النقد، ومجتمع يحمي الأطفال ويعزز ثقافة الحوار والتعايش.
فالأمن لا يُصان بالقوة وحدها، ولا بالوعظ وحده، بل بالعدل والعلم والوقاية والمحاسبة وبناء الثقة بين الإنسان ومؤسساته.
لا تنتظروا أن تتحول المشكلة إلى كارثة حتى تعترفوا بوجودها، ولا أن يصبح التطرف جريمة حتى تبحثوا عن جذوره، ولا أن يفقد الناس ثقتهم حتى تتذكروا أن العدالة أساس الاستقرار.
بالعلم والحكمة والاعتدال، وبالتشاركية بين الأوقاف والإفتاء والقضاء الشرعي والكنائس وسائر مؤسسات الوطن، وبمحبة الأردن وقيادته، نصون الأسرة ونحمي المجتمع ونواجه التطرف.
أما الجهل والظلم والتعصب والكراهية، فلا تصنع إلا مزيدًا من الانقسام والأزمات.
فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ حين نتفق جميعًا على وصف المشكلة، بل حين نمتلك الإرادة لمعالجتها، والشجاعة لتحمل مسؤوليتها، والقدرة على تحويل الحلول إلى واقع.
رحم الله شهداء الوطن، وأسكنهم فسيح جناته، ورحم كل من فقدوا أرواحهم نتيجة هذه التصرفات الخبيثة، وحفظ الأردن وأهله من كل سوء، وأدام علينا نعمة الأمن والأمان.
نسأل الله أن يحمي وطننا من التطرف والكراهية والعنف، وأن يلهم الجميع الحكمة والمسؤولية، وأن تكون دماء الضحايا دافعًا صادقًا لمراجعة الأسباب، ومعالجة مواطن الخلل، وتعزيز العدالة والتسامح والسلم المجتمعي.
رحم الله الشهداء، وحفظ الأردن قيادةً وشعبًا، وجعل أمن الوطن واستقراره مسؤوليةً يتشارك فيها الجميع.