فلسطين بين القوة الإيرانية .. والانبطاح العربي ..
محمود الدباس - أبو الليث
24-10-2026 12:10 PM
تعلّمنا في المنطق.. عندما نريد اختبار فرضية.. أن نفترض صحتها أولاً.. ثم نضعها أمام الوقائع.. وعلى مشرحة العقل.. فإن أثبتتها قبلناها.. وإن ناقضتها أعدنا النظر فيها.. وهذا ما أريد فعله هنا.. بعيداً عن العواطف.. والشعارات.. والأحكام المسبقة..
أمامنا ثلاثة أطراف تتداخل مواقفها في هذه القضية الفلسطينية.. العرب.. وإيران.. والقوى الدولية.. ولكي نختبر ما يقال.. سأتبنى مؤقتاً خطاب إيران وأتباعها.. وسأردد معهم شعار الموت لإسرائيل.. ثم أضعه أمام الوقائع.. لنرى إن كانت الأفعال توازي الشعارات..
أعرف أن بعض المؤيدين لإيران.. سيعزفون السيمفونية نفسها التي سئمنا سماعها.. العرب منبطحون.. العرب مطبّعون.. العرب مستسلمون.. وهم الذين يحمون إسرائيل من الصواريخ الإيرانية.. ويقفون في وجه مَن يريد تحرير فلسطين.. حتى لو لم تجب هذه المعزوفة عن السؤال الأساسي..
حسناً.. سأقبل هذه الفرضية مؤقتاً.. ولن أناقش الآن مَن يطبّع مع الكيان إسرائيلي.. ومَن ينسّق معها.. ومَن المنطبح.. وسأترك العرب جانباً.. لأن إيران وأتباعها.. غسلوا أيديهم منهم.. وأعلنوا الحكم عليهم.. ولن يكون من الجيد إضاعة وقتكم في الحديث عن هذا..
وسأذهب إلى إيران نفسها.. ومَن لف لفيفها.. وحمل فكرها وتغنى بشعاراتها.. لأن مَن يرفع شعاراً بهذا الحجم.. ويجعله عنواناً لمشروعه السياسي والإقليمي.. لا بد أن يقبل مساءلته عن نتائجه.. من كل مَن هو خارجهم.. أو حتى منهم أنفسهم ممن تحمل كلفة ذلك..
منذ ثورتها عام 1979.. جعلت إيران مواجهة إسرائيل.. جزءاً أساسياً من خطابها السياسي.. وأنشأت في الحرس الثوري فيلق القدس القوي والمعني بالعمليات الخارجية.. وبناء العلاقات مع القوى المسلحة الحليفة.. ودعمت حركات فلسطينية مسلحة.. ثم أعلنت ما تسميه محور المقاومة.. باعتباره جبهة قادرة على مواجهة إسرائيل.. وتغيير موازين القوى في المنطقة..
ولست أنا مَن وضع إيران في هذا الموقع.. بل هي التي اختارته لنفسها.. وتبنته في كل خطاباتها.. وهي التي جعلت القدس وفلسطين عنواناً رئيسياً لمشروعها.. ولذلك فإن مساءلتها ليست مطالبة لها بأداء واجب العرب.. والتي تعلن بأنهم منبطحون.. بل مطالبة لها بتفسير الفارق بين ما أعلنته.. وما تحقق منه على الأرض..
ولن أعود هنا إلى قضية إيران كونترا.. وصفقات الأسلحة السرية التي كُشفت في ثمانينيات القرن الماضي.. وسأضعها جانباً.. بحجة أن للدول حسابات قد تختلف عمّا تعلنه على المنابر.. لكن هل يمكن أن تبقى هذه الحجة مقنعة.. كلما تعارضت الشعارات مع الوقائع؟!..
بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.. ظهر جلياً النفوذ الإيراني داخل العراق.. ثم دخلت طهران بثقلها العسكري والسياسي.. إلى الحرب السورية دعماً لنظام بشار الأسد.. وامتد نفوذها المطلق عبر العراق وسوريا إلى لبنان.. حيث يتمركز حليفها الأبرز حزب الله.. وبالتوازي.. احتفظت إيران بعلاقاتها مع حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين.. ودعمت الحوثيين في اليمن..
وهكذا تشكّلت شبكة واسعة من الحلفاء والتشكيلات المسلحة وطرق الإمداد.. ومعامل تصنيع السلاح في سوريا.. امتد نفوذها من طهران إلى بيروت.. وأصبح لدى إيران أكثر من ورقة ضغط في محيط الكيان الإسرائيلي.. ولم تعد المسألة مجرد شعارات تُرفع في الخطب.. بل نفوذ سياسي وعسكري مباشر.. استمر انحو 12 عاماً..
وهنا تبرز مفارقة الجولان.. فقد كانت إيران حليفاً قوياً لنظام الأسد لسنوات.. ومتواجد فيلق القدس على الأرض.. وسوريا هي الدولة التي يحتل الكيان الصهيوني الجولان من أرضها منذ عام 1967.. والجولان أرض سورية محتلة.. وضمّها غير معترف به دولياً.. واستعادة الأرض المحتلة.. حق مشروع من حيث الأصل.. فلماذا لم يؤدِ النفوذ الإيراني الواسع داخل سوريا.. إلى تغيير واقع الاحتلال؟!.. كيف امتد النفوذ إلى جوار الأرض المحتلة.. بينما بقيت استعادتها من العدو المعلن خارج الحسابات الفعلية؟!..
قد يقول قائل.. إن مواجهة الكيان الاسرائيلي ليست أمراً سهلاً.. وإن الحرب الشاملة لها أثمانها ومخاطرها.. وهذا صحيح.. ولا أحد يستطيع أن يضمن نتائج حرب من هذا النوع.. لكن السؤال ليس لماذا لم تشن إيران حرباً شاملة في يوم محدد.. بل لماذا بقي الفارق كبيراً.. بين خطاب يضع إنهاء وجود الكيان الاسرائيلي في صلب مشروعه.. وبين سلوك تحكمه حسابات النفوذ وحماية الحلفاء لزيادة سطوتهم في بلدانهم..
وفي المقابل.. فقد أثبتت إيران امتلاكها قدرات صاروخية وعسكرية.. تمكنها من الوصول إلى أهداف بعيدة.. كما أثبتت استعدادها لخوض مواجهة مباشرة عندما قررت ذلك.. وهي تعلم أن الكيان الإسرائيلي يستهدفها وتسعى إلى إضعافها.. ولذلك يصبح السؤال أكثر إلحاحاً.. هل كان تحرير فلسطين أولوية عملية في المشروع الإيراني.. أم أن الشعارات وفرت غطاءً سياسياً لمشروع إقليمي.. كانت له حساباته وأولوياته الأخرى؟!..
وزاد هذا السؤال إلحاحاً ما شهدناه في الحرب الأخيرة.. حين امتدت الهجمات الإيرانية إلى دول عربية.. واستهدفت أراضيها ومنشآتها.. بحجة القواعد الامريكية.. رغم أنها لم تكن الطرف الذي بدأ الهجمات الإسرائيلية على إيران.. والتي لا أعلم متى ستعلن إيران عن تدميرها بالكامل.. مع كل ما قامت به.. وتنتهي هذه الشماعة..
وهنا لا نتحدث عن حق إيران في الدفاع عن نفسها.. فهذا حق لا أنكره.. بل عن اختيار ساحات المواجهة وحدودها.. وعن المفارقة بين رفع شعار مواجهة إسرائيل.. وبين تعريض دول عربية لأضرار ومخاطر.. لا تقلل من مسؤولية الكيان الإسرائيلي عن عدوانه.. لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً عن حسابات طهران وأولوياتها..
ولا أستخف بقدرات إيران.. أو بتضحيات الإيرانيين وغيرهم ممن قاتلوا إسرائيل عبر الصواريخ.. لكن الاعتراف بالتضحيات.. لا يعني إعفاء القيادة الإيرانية من المساءلة.. كما أن نقد إيران.. لا يعني الاصطفاف مع الكيان الاسرائيلي.. فهذه الثنائية التي يفرضها جل المؤيدين ليست حجة.. بل وسيلة لإغلاق باب النقاش..
والأغرب.. أن بعضهم يعلن أن العرب منبطحين.. ثم يرد على أي سؤال عن نتائج المشروع الإيراني المعلن بعبارة.. لماذا لا تحررون فلسطين أنتم؟!..
والجواب بسيط.. لأننا لا نحمّل إيران وحدها مسؤولية تحرير فلسطين.. ولا نعفي العرب من مسؤولياتهم.. نحن نسأل إيران عمّا أعلنته هي.. وعن مشروع جعلته عنواناً لسياساتها لعقود.. فمسؤولية العرب.. لا تمنح طهران حصانة من السؤال.. كما أن انتقاد طهران.. لا يبرئ العرب من أخطائهم..
وعلينا أن نتفق.. فلسطين ليست ملكاً لإيران.. أو لغيرها.. ولا ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية.. والشعب الفلسطيني ليس أداة في مشروع نفوذ.. بل صاحب قضية وحقوق.. لا يمكن أن تتحقق بالشعارات وحدها.. وإنما بمواقف وسياسات تقرب التحرير فعلاً.. لا أن تجعل القضية عنواناً دائماً لصراعات الآخرين.. والاستقطابات للأنظمة المتناحرة..
يا سادة.. لا أحد يطالب مَن لا يرفع شعاراً بتحقيقه.. لكن مَن يجعل الشعار وأتباعه عنواناً لمشروعه.. لا يحق لهم أن يغضبوا.. عندما يُسأل عن نتائجهم..
العرب منبطحون كما تقولون.. فلماذا نناقش أفعالهم.. ولماذا يكون الرد بذلك.. عند السؤال عمّا فعلت إيران؟!..
وفي المقابل.. إيران تحمل مشروع تحرير فلسطين.. والموت لإسرائل كما تعلن بوضوح.. فلنناقش نتائج مشروعها.. والمعيار يجب أن يكون واحد..
وعلينا أن نعي.. ونكون منصفين.. الشعار لا يعفي صاحبه من المساءلة.. والنقد ليس خيانة.. كما أن تكرار الشعارات.. ليس دليلاً على تحقيق الأهداف.. والانسياق خلفها دون عقل..
وإلى متى ستبقى القضية الفلسطينية الغسالة.. التي يستخدمها كل مَن يقوم بأعمال قذرة.. لغسيل وتبرير أفعاله.. أياً كان؟!..