جريمة كنيسة حمود: الرصاص استهدف المسيحيين، فنزف الأردن كلُّه
د. محمد حيدر محيلان
24-10-2026 12:21 PM
لم تكن الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بالكرك اعتداءً على المسيحيين وحدهم، بل كانت رصاصًا موجّهًا إلى الأردن كلّه. فالضحايا المباشرون كانوا مشيّعين مسيحيين أبرياء، لكن الجرح أصاب المسلمين والمسيحيين معًا؛ لأن الذين أطلقوا النار لم يستهدفوا أشخاصًا فحسب، وإنما حاولوا ضرب وحدة مجتمع عاش أبناؤه قرونًا إخوةً وجيرانًا وشركاء في الأرض والدم والهمّ والمصير.
اختار المجرمون وقت تشييع جنازة، حين يجتمع الناس لمواساة أهل الفقيد، وأطلقوا النار على أبرياءَ عُزْل في بيت من بيوت الله. وقد ارتفعت حصيلة الجريمة إلى ثمانية شهداء، فضلًا عن عشرات المصابين، في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها الأردن.
لم يكن حزن الكرك حزن المسيحيين وحدهم؛ فقد نُكِّست الأعلام في الأردن، وانحنت الرؤوس حزنًا أمام بشاعة الجريمة، وهبَّ الأردنيون جميعًا للوقوف إلى جانب أهالي الشهداء والمصابين. وتقدّم جلالة الملك عبدالله الثاني هذا الموقف الوطني، فتوجّه إلى الكرك، وزار المصابين واطمأن إلى أحوالهم، مؤكدًا أن من توهّم أن رصاص الغدر يستطيع شق صف الأردنيين قد خاب مسعاه. كما توجّه رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان إلى الكرك، وترأس جلسة وزارية في مبنى المحافظة لمتابعة تداعيات الجريمة، ثم قدّم واجب العزاء والتقى أهالي الشهداء. ولم تكن هذه التحركات مجرد واجب رسمي، بل عبّرت عن حزن شعب كامل، وعن حقيقة أن الدم الذي سال في الكنيسة دم أردني، لا يفرّق فيه الأردنيون بين دين أو طائفة.
أما الجهة التي خططت أو حرّضت أو موّلت، فتبقى مسألة يحددها التحقيق، ولا يجوز أن تُبنى فيها الاتهامات على الظنون. لكن اختيار الكنيسة واستهداف جنازة مسيحية يحملان دلالة واضحة: محاولة بث الخوف، وإثارة فتنة دينية، وضرب صورة الأردن بوصفه وطنًا آمنًا لمسيحييه، ونموذجًا متميزًا في التآخي الإسلامي المسيحي عبر التاريخ.
المستفيد الأول هو الفكر التكفيري، الذي لا يعيش إلا في المجتمعات المنقسمة، ويبحث دائمًا عن جرح اجتماعي يحوّله إلى صراع. ويستفيد كذلك كل من يتربص بالأردن، أو يسعى إلى النيل من استقراره، أو توظيف الجريمة في حرب إعلامية تشكك في قدرته على حماية أبنائه ودور عبادتهم.
قبل أشهر، أثار الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون نقاشًا واسعًا، عندما قدّم من داخل الأردن شهادات عن أمن المسيحيين وتآلفهم مع المسلمين في نموذج متميز للعيش المشترك، وبيّن الدور الهاشمي في حماية المقدسات المسيحية، في مقابل ما يتعرض له مسيحيو فلسطين من تضييق واعتداءات. فليس مستبعدًا أن يحاول خصوم الأردن استغلال جريمة حمود للطعن في تلك الصورة. لكن جريمة واحدة، مهما بلغت بشاعتها، لا تستطيع محو تاريخ طويل من العيش الآمن المشترك.
فالمسيحيون في الأردن ليسوا ضيوفًا ولا جماعة طارئة، بل أبناء أصيلون لهذه الأرض، وشركاء في بناء الدولة. وفي الكرك، كما في مادبا والسلط والحصن والفحيص وعجلون وغيرها، تقاسم المسلمون والمسيحيون الأفراح والأتراح، ووقفوا معًا في الدفاع عن وطن واحد.
لقد أراد المجرمون أن يجعلوا الكنيسة حدًّا فاصلًا بين الأردنيين، وأن يُحدثوا شرخًا في علاقتهم ويمزقوا نسيجهم الوطني، فإذا بدماء حمود تجمعهم وتوحّدهم في موقف واحد. لقد فُجع الأردنيون جميعًا بالجريمة والمصاب الجلل، واستنكروهما بغضب وطني وألم عميق؛ فالرصاص استهدف المسيحيين، لكن الأردن كلّه نزف. وسيبقى، بمسلميه ومسيحييه، أقوى من الرصاص وأصلب من الفتنة. رحم الله الشهداء، وشفى المصابين، وحمى الأردن وأهله.