المسيحي الأردني ليس غريبًا في وطنه ولا طارئًا على تاريخه
المحامي عامر الهلسه
24-10-2026 11:17 AM
أما المسيحي الأردني، فليس غريبًا في وطنه، ولا طارئًا على تاريخه، ولا مكوّنًا يمكن الانتقاص من مكانته أو التعامل مع حقوقه بوصفها موضع تفضّلٍ أو منّة. إنه مكوّنٌ أصيل وأساسي في الأردن، وشريكٌ في هويته الوطنية، وفي بناء دولته، وصناعة حاضره، وصون مستقبله.
إن محاولة المساس بأمن المسيحي أو حرمة كنيسته ليست شأنًا طائفيًا محدودًا؛ إنها مساسٌ بمبدأ المواطنة ذاته، وطعنٌ في قاعدةٍ دستورية وأخلاقية لا تستقيم الدولة من دونها: المساواة في الحقوق والحماية والكرامة. فالأردن ليس ملكًا لطائفة، ولا حكرًا على جماعة، ولا وطنًا تتفاوت فيه قيمة الإنسان تبعًا لدينه. إنه وطنٌ واحد، ومواطنةٌ واحدة، وحقوقٌ لا تقبل التجزئة.
ومن يعتدي على مواطنٍ بسبب انتمائه، أو يروّع الناس في محيط دار عبادة، إنما يعتدي على حقٍ أصيل لا يملك أحدٌ سلبه، وعلى أمنٍ عام لا يجوز التساهل في انتهاكه. فلا عقيدة تبرر العدوان، ولا عصبية تمنح حصانةً من القانون، ولا اعتبار اجتماعي يعلو على حق الضحية في الإنصاف.
وهنا يجب أن يكون الموقف حاسمًا لا ملتبسًا: المطلوب تحقيقٌ جاد يكشف ملابسات ما جرى، ومحاسبةٌ قضائية لكل من تثبت مسؤوليته، وإجراءاتٌ فعلية لحماية المواطنين ودور العبادة. لا اتهاماتٌ جزافية، ولا انتقام، ولا تهاون؛ بل دولة قانون تملك الشجاعة لإظهار الحقيقة، والقدرة على إنفاذ أحكام القضاء، والالتزام بحماية كل مواطن دون تمييز.
إن هيبة الدولة لا تُصان ببلاغة التصريحات، بل بصرامة تطبيق القانون. وكرامة الضحايا لا تُحفظ بتعداد مناقبهم، بل بألا تضيع حقوقهم. والثقة بالمؤسسات لا تُبنى بالوعود، بل بإجراءاتٍ ملموسة تثبت أن حياة المواطن وحقوقه ليستا محل مساومة.
إلى والدي الشهيد فادي وشقيقتيه: لا عبارة تردّ إليكم فقيدكم، ولا عزاء يمحو قسوة الغياب. لكن حقكم في الحقيقة والعدالة حقٌّ أصيل، وليس مطلبًا عاطفيًا عابرًا. وسيبقى اسم فادي شاهدًا على أن وراء كل جريمةٍ إنسانًا، ووراء كل ضحيةٍ أسرةً لا يجوز أن تُترك وحدها في مواجهة الفقد.
رحم الله الشهيد الدكتور فادي عاصم الهلسه، ورحم الضحايا، وشفى المصابين، وألهم ذويهم الصبر.
وليبقَ الموقف واضحًا لا يقبل التأويل: لا تهاون في حرمة الدم، ولا انتقاص من مكانة المسيحي الأردني، ولا تساهل في حماية دور العبادة، ولا قبول بإفلات من تثبت إدانته من العقاب. فالعدالة ليست ترفًا، وسيادة القانون ليست شعارًا، والمواطنة ليست امتيازًا تمنحه جماعةٌ لأخرى. إنها حقوقٌ وواجباتٌ لا تستقيم الدولة إلا بصونها، ولا تُحفظ كرامة الوطن إلا باحترامها.
حمود تستحق الحقيقة، وأسرة فادي تستحق العدالة، والأردن يستحق أن تبقى كرامة أبنائه جميعًا مصونةً بقوة القانون، لا رهينةً لنزوات العنف أو نزعات التعصب