حين يصبح التحريض وسيلة للهيمنة والانتقام
قال تعالى على لسان فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾
تختصر هذه الآية عقلية من يحتكر الحقيقة لنفسه، ويريد من الآخرين أن يروا الأمور بعينيه، وأن يتبنوا مواقفه دون نقاش، وكأن رأيه هو الصواب المطلق، ومخالفته خروج عن طريق الرشاد.
لقد قرأت كثيرا من كتب التاريخ الإنساني، وتأملت سير أشخاص صنعوا حول أنفسهم هالات من العظمة، ساعدهم على بنائها ما امتلكوه من علم أو جاه أو مال أو سلطة. لكن بعضهم لم يكتف بما حظي به، بل اتخذ منه وسيلة للهيمنة على العقول والسيطرة على إرادة الآخرين، حتى أصبح كشف حقيقتهم والوقوف في وجه أطماعهم أمرا لا يحتملونه.
وعندما يعجز هؤلاء عن إخضاع من يخالفهم أو يفضح مآربهم، قد يلجأون إلى أسلوب أشد خطورة من المواجهة المباشرة، وهو التحريض؛ فيسعون إلى تشويه خصومهم، وتأليب الآخرين عليهم، واستغلال مشاعر الناس وثقتهم لتحقيق أهداف يعجزون عن بلوغها بأنفسهم.
فالمحرض لا يكتفي بإبداء رأيه، بل قد يصنع رواية تخدم مصلحته، ويضخم الأخطاء، ويغذي مشاعر الغضب والكراهية، حتى يدفع الآخرين إلى مواقف وأفعال لم يكونوا ليقدموا عليها لو أدركوا حقيقة دوافعه. وقد يتظاهر بالحرص على الحق أو الدفاع عن المظلوم، بينما تكون غايته الحقيقية الانتقام أو استعادة نفوذ فقده.
وتكمن خطورة التحريض في أن صاحبه يريد أن يكون صانع القرار دون أن يتحمل تبعاته؛ يشعل الخلاف، ويدفع الآخرين إلى المواجهة، ثم يتوارى خلفهم متظاهرا بالبراءة. فإذا تحققت غايته، نسب النجاح إلى دهائه، وإذا وقعت العواقب، تنصل من مسؤوليته وترك من استخدمهم يواجهون النتائج وحدهم.
والأشد إيلاما أن ضحايا التحريض قد يكونون أشخاصا حسني النية، يعتقدون أنهم يدافعون عن حق أو ينتصرون لمبدأ، بينما هم في الحقيقة يخوضون معركة تخدم أطماع غيرهم. وقد يخسرون علاقاتهم وسمعتهم وراحة ضمائرهم، ثم يكتشفون متأخرين أنهم كانوا أدوات في أيدي من أحسنوا استغلال عواطفهم.
إن المسؤولية الأخلاقية لا تتعلق فقط بمن ينفذ الفعل، بل تمتد أيضا إلى من يتعمد دفع الآخرين إليه، ويهيئ أسبابه، ويغذي دوافعه. فالاختباء خلف المنفذين لا يمحو دور المحرض، كما أن إنكار المسؤولية لا يحول الباطل إلى حق.
ومواجهة هذه العقلية تبدأ بالوعي والتحقق من الحقائق، ورفض أن نكون أدوات في أيدي الآخرين. فلا ينبغي أن نكره إنسانا لمجرد أن غيرنا يكرهه، أو نخوض معركة قبل أن نعرف حقيقتها، أو نسمح لأحد بمصادرة عقولنا تحت شعارات الحق والكرامة والمبادئ. فليس كل من يتحدث باسم الحق صادقا، وليس كل من يحرضك على المواجهة مستعدا للوقوف إلى جانبك عندما تظهر النتائج.
وفي الختام، احذروا من الذي يشعل النار ثم يقف بعيدا يراقب احتراق الآخرين، ومن الذي يدفعكم إلى المواجهة ثم يتبرأ منكم عندما تحين ساعة الحساب. فقد تكون اليد التي نفذت الفعل ظاهرة للعيان، بينما العقل الذي خطط له لا يزال مختبئا خلف الستار.
إن أخطر المحرضين ليس من يرفع سلاحا في وجهك، بل من يقنع غيره برفعه، ثم يتوارى خلف قناع البراءة. فقد ينجو من حساب الناس، لكنه لن يغير حقيقة دوره؛ فليست البراءة أن تغيب عن مسرح الجريمة، بل ألا تكون أنت من أشعل فتيلها، وصنع دوافعها، ودفع الآخرين إلى ارتكابها.
فبعض الجرائم لا تبدأ بيد تضرب، بل بكلمة تحرض، وبعض الفتن لا يشعلها من يظهر في مقدمتها، بل من يقف خلفها، يحرك الآخرين لمصلحته، ثم يتركهم وحدهم يحصدون الندم، بينما يمضي هو متظاهرا بأنه لم يكن يوما جزءا من الحكاية.