الدراية الإعلامية .. من تصديق المعلومة إلى اتخاذ القرار
د.محمد ابورمان
29-10-2026 03:50 PM
حين نعيد نشر خبر، أو نؤيد قراراً، أو نتبنى موقفاً، فإننا نتصرف بناءً على معلومات منحناها قدراً من الثقة. وهنا قد لا ننتبه إلى أن جزءاً من قراراتنا يتشكل قبل أن نتخذه، تارة في العنوان الذي قرأناه، وتارة في المقطع الذي شاهدناه، وأحياناً في السياق الذي وصلنا أو غاب عنا.
من هنا تأتي أهمية الأسبوع العالمي للدراية الإعلامية والمعلوماتية، الذي اعتمدته الأمم المتحدة عام 2021، وتعمل اليونسكو من خلاله مع شركائها على تعزيز قدرة الأفراد والمجتمعات على الوصول إلى المعلومات وتقييمها واستخدامها بمسؤولية.
وبعد خمس سنوات، أرى أن السؤال الأهم يتعلق بما تغير في طريقة فهمنا. فالمعرفة بأهمية التحقق من المعلومات تحتاج إلى أن تظهر في سلوكنا، حين نتريث قبل المشاركة، ونراجع المصدر قبل التعليق، ونبحث عما يساعدنا على الفهم قبل تبني اي موقف، حتى عندما لا تنسجم المعلومات مع قناعاتنا.
ومع وجود الذكاء الاصطناعي، يكتسب هذا السؤال أهمية أكبر. فقد أصبح بالإمكان إنتاج نص متماسك، وصورة واقعية، وصوت مقنع، دون أن يكون المحتوى صحيحاً. وهنا قد نمنح المحتوى ثقتنا بسبب جودة عرضه، بينما يبقى مصدره ودليله وسياقه بحاجة إلى الفحص. وحتى حين نستخدم هذه الأدوات للبحث والتلخيص، تبقى مسؤولية التحقق والحكم علينا.
وينعكس ذلك على السياسة والاقتصاد وحياتنا اليومية. فخبر مبتور قد يؤثر في موقف سياسي، ومعلومة مضللة قد تؤثر في قرار مالي، ونصيحة بلا سند قد تمس صحة أسرة. وفي كل هذه الحالات، تصبح قدرتنا على تقييم المعلومات جزءاً من قدرتنا على حماية مصالحنا واتخاذ قرارات واعية.
أما بالنسبة للمؤسسات، فتتصل الدراية الإعلامية والمعلوماتية بمسؤوليتين متلازمتين، تقديم معلومات واضحة يمكن التحقق منها، وقراءة الجمهور بدقة قبل مخاطبته. فانتشار الرسالة لا يعني بالضرورة فهمها، وكثرة التفاعل معها لا تكفي للحكم على حجم التأييد لها، كما أن التعليقات الأعلى صوتاً قد لا تعبر عن مختلف فئات الجمهور.
عندما يُعلن قرار اقتصادي، مثلاً، يحتاج الناس إلى فهم أسبابه وأثره المتوقع على دخل الأسرة أو كلفة العمل. وقد يكشف سؤال متكرر عن نقص في الشرح، أو ينبه اعتراض إلى أثر يستحق المراجعة عند التنفيذ. هنا يصبح الاتصال جزءاً من جودة القرار، لأنه يصل بين ما تعرفه المؤسسة وما يعيشه الناس.
وفي تقديري، يبدأ بناء الثقة من احترام قدرة الجمهور على الفهم والاختلاف. فقد يفهم الناس قراراً ويعارضونه لأسباب مشروعة، وقد يؤيدونه بعد أن تتضح لهم أسبابه وتبعاته. والتأييد الذي يستند إلى معرفة يمنح العلاقة بين المؤسسات والجمهور أساساً أكثر متانة، خصوصاً حين ينسجم الشرح مع التجربة اليومية.
لهذا، أرى أن قيمة هذا الأسبوع تقاس بما يبقى بعده، في عاداتنا عند تلقي الأخبار، وفي طريقة استخدامنا للذكاء الاصطناعي، وفي قدرة المؤسسات على الاستماع والاستجابة. وكلما تطورت أدوات إنتاج المحتوى، ازدادت حاجتنا إلى تنمية قدرتنا على الحكم، لأن جودة قراراتنا ترتبط بمدى فهمنا للمعلومات التي نبنيها عليها.