اقتصاد البيانات .. نفط الذكاء الاصطناعي
د.علي سليم الحموري
29-10-2026 09:51 PM
تحتفظ المؤسسات ببيانات عن الخدمات والمعاملات والصحة والتعليم والنقل...........، لكن تراكمها لا يعني تلقائيًا امتلاك ثروة اقتصادية. فقد تبقى في أنظمة منفصلة، يصعب تبادلها والتحقق من دقتها، دون أثر في جودة القرار. وتقوم فكرة اقتصاد البيانات على تحويل البيانات إلى معرفة قابلة للتوظيف الاقتصادي.
ومن هنا، تبرز أهمية توجيه سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، إلى المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل بإطلاق مبادرة وطنية للبيانات الرقمية، بما يسهم في تحويل البيانات إلى معرفة تدعم صنع القرار، وتحسّن الخدمات، وتفتح فرصًا للإنتاج والاستثمار. ويقتضي ذلك ضمان جودة البيانات واستخدامها المسؤول، وبناء القدرات وقياس الأداء وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
ويعبّر وصف البيانات بأنها «نفط الذكاء الاصطناعي» عن قيمتها في تطوير الأنظمة الذكية. ويظل هذا التشبيه جزئيًا؛ فالنفط يُستهلك، بينما يمكن استخدام البيانات أكثر من مرة دون أن تنفد. لكن فائدتها قد تتراجع بتقادمها أو عدم ملاءمتها للغرض المطلوب، كما أن إمكان إعادة استخدامها تقنيًا لا يمنح حقًا مطلقًا في استغلالها قانونًا.
والذكاء الاصطناعي لا يعالج تلقائيًا ضعف البيانات. فالبيانات الناقصة أو غير الممثلة للواقع قد تقود إلى استنتاجات مضللة تؤثر في توزيع الخدمات والفرص. وقد ينشأ الخلل من تصميم النظام أو المؤشرات التي يعتمدها. لذلك، يتطلب الاستثمار المسؤول تحسين البيانات واختبار النماذج ومراجعة نتائجها، مع تحديد المسؤولية عن القرارات المبنية عليها، وعدم تحويل الثقة بالتقنية إلى إعفاء من المساءلة.
ويمكن للأردن توظيف البيانات في تقدير الطلب على الرعاية الصحية، والكشف عن فجوات التعلم، وتحسين إدارة المياه والنقل. وتبقى هذه فرصًا تحتاج إلى اختبار وقياس. ويتطلب استثمارها كفاءات وطنية قادرة على التحليل والحماية والتطوير، وربط الجامعات باحتياجات المؤسسات، وتمكين الباحثين والمشروعات الناشئة من المشاركة وفق ضوابط واضحة.
وتخضع معالجة البيانات الشخصية في هذه التطبيقات لقانون حماية البيانات الشخصية رقم (24) لسنة 2023 والأنظمة والتعليمات الصادرة بمقتضاه. والأصل الحصول على الموافقة المسبقة، مع مراعاة الأحوال المصرح بها قانونًا واستثناءات المادة (6). وتخضع المعالجة لشروط تتعلق بمشروعية الغرض وتحديده ووضوحه واتفاقه مع أغراض جمع البيانات؛ فلا تكفي المنفعة الاقتصادية وحدها لتبرير استخدام البيانات الشخصية في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ويقرر القانون حقوقًا للشخص المعني، تشمل الوصول إلى بياناته وتصحيحها وسحب الموافقة والمحو أو الإخفاء والاعتراض، ضمن الشروط والحدود القانونية. ولا يجوز الاحتفاظ بالبيانات بعد انتهاء غرض المعالجة، ما لم تنص التشريعات على خلاف ذلك. والاستثناء من الموافقة المسبقة لا يعفي من الالتزامات الأخرى الواجبة التطبيق. وعند نقل البيانات الشخصية أو تبادلها في إطار الشراكة مع القطاع الخاص، تُراعى أحكام المادتين (14) و(15) وضوابطهما واستثناءاتهما، بحسب الحالة. وينبغي أن تحدد العقود أغراض الاستخدام ومتطلبات الأمن واستمرارية الخدمة، بما يحفظ للمؤسسات قدرتها على إدارة بياناتها وتقييم أداء المتعاقدين معها.
وسيكون الاختبار الحقيقي للمبادرة في قدرتها على اختصار زمن الخدمة، وخفض الأخطاء والكلفة، وتحسين وصول المواطنين إلى التعليم والرعاية الصحية، مع حماية بياناتهم وتمكينهم من ممارسة حقوقهم. فنجاح التحول الرقمي يحتاج إلى أولويات ومواعيد تنفيذ ونتائج قابلة للتحقق، تتقدم فيها كفاءة الإدارة وحماية الحقوق معًا.
وإذا كانت البيانات نفط الذكاء الاصطناعي، فإن قيمتها الوطنية ستُقاس بما يعود منها على المواطنين من خدمات وفرص. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: أن يمتلك الأردن القدرة على تحويل البيانات إلى تنمية، وأن يملك المواطن الضمانات الكفيلة بصون خصوصيته وحماية حقوقه.