ليس من السهل ان تكون وطنا صغيرا في جغرافيا كبيرة مضطربة, ولا ان تعيش محاطا بالحروب والأزمات, ثم تظل قادرا على فتح ابوابك للآخرين , وتتحمل اعباء لم تكن يوما من صنعك. تلك حكاية الأردن, وطن لم تكن حدوده يوما حدودا للمروءة, ولم تكن امكاناته المحدودة سببا للتخلي عن اشقائه.
انا الاردن ..
انا الذي لم تكن الجغرافيا منذ يوم ولادتي في صفي فانا وُلدت في إقليم تتنازعه الصراعات وتتعاقبه الحروب والازمات، وتتداخل فيه المصالح الدولية والإقليمية. لم اختر ان اكون في هذه الرقعة على خارطة العالم لكنني اخترت ان اكون بمواقفي امتدادا لتاريخي ودلالة علي عروبتي ووفائي لأشقائي.
منذ بداية نشأة الدولة الأردنية الحديثة لم يكن ينظر الي قضايا امته على انها تقع خارج حدوده بل كانت جزءا من مسؤوليته، التاريخية والإنسانية والسياسية, ومن اهم هذه القضايا كانت القضية الفلسطينية جزء من تاريخ الاردن وكانت قراراته تجاهها لا يعلمها الا من تحمل من خسائر بشريه وسياسيه وماليه ما دفعه من اجلها. التي لم تكن مجرد قضية جوار بل قضية حاضرة في وجدانه وتاريخه وقراراته التي دفع من اجلها الأردنيون اثمانا بشرية وسياسية واقتصادية لا يمكن ولا بشكل من الاشكال اختزالها بخطاب عاطفي او مناسبة وطنية.
ففي عام 1948 كان جيشنا العربي الاردني حاضرا في فلسطين يدافع عن القدس وعن كثير من المواقع الفلسطينية ودفع من ابناءه شهداء وجرحى في مواجهة جيش الاحتلال الإسرائيلي . لم تكن معركة القدس حدث عابر بل كانت جزءا من تاريخ الاردن الذي لم ينساه جنودنا الذين بذلوا ارواحهم دفاعا عن القدس وفلسطين.
وبعد ذلك جائت حرب 1967 وما حملته من خسارة الضفة الغربية والقدس الشرقية لتترك جرحا عميقا لن ينساه التاريخ الأردني والفلسطيني والعربي, ورغم ذلك لم تنته حكاية التضحيات و لم تنته حكاية الشهداء في فلسطين بل خاض جيشنا العربي الأردني لاحقا حرب الكرامة عام 1968 والتي استشهد فيها العديد من جنودنا الذين لم ننساهم ولن ننساهم ابدا . وأصبحت محطة بارزه في تاريخ الأردن .
فحين نتكلم عن شهداء الاردن في فلسطين فنحن لا نستدعي الماضي من اجل التفاخر , بل نتذكر بان هذا الوطن له ابنائه الذين دفعوا ارواحهم من اجل قضايا امته العربية، ولكل شهيد خلفه عائلة اردنية فقدت اعز ما تملك.
انا الاردن.. حين كانت العروبة موقفا لا شعار
ففي حرب 1967 عبر الي شرق النهر ملايين من النازحين الذين وجدوا في الاردن جزء من ارضهم ومكان يحتمون فيه مع اهاليهم، كانت تلك الحرب قد كلفت الاردن الكثير سياسيا وماليا واجتماعيا لكنه لم يغلق ابوابه امام من لفظتهم الحرب من وطنهم.
وعام 1973 عندما اندلعت حرب تشرين لم يقف الاردن بعيدا متفرجا على ما يجرى في الجبهه السورية فقد ارسل وادخل اللواء المدرع 40 الي سوريا وعزز قواته بالجنود اللذين قاتلو علي الجبهة السورية صفا بصف الى جانب القوات العربية . وكان ذلك من المواقف اللي كلفت الاردن الكثير خاصة بان علاقاته ببعض الدول العربية لم تكن علي ما يرام في تلك الفترة. ومع ذلك هب لنجدة اشقاءه والوقوف بجانبهم مهما كلف الامر .
لم تكن تلك الاحداث سببا بنسيان الاردن لبعض الامور السياسية التي حدثت بينه وبين بعض الدول العربية , لكن هذا لا يعني ان لم يكن له موقف من تلك الاحداث التي تخص الدول العربية.
حكاية الاردن لم تنته عند التضحية العسكرية بل كانت تحمل اعباء اللاجئين العرب الذين لجأوا اليه علي مدار سنين طويله جعلت الاردن معروف عند الجميع بانهم امنين مطمئنين بداخله.
فمنذ حرب 1948 استقبل الاردن اللاجئين الفلسطينيين الذين لجأوا اليه بعد طردهم من مدنهم وقراهم , فصار كثير من الفلسطينيين جزء من المجتمع الاردني ونسيجه الاجتماعي والاقتصادي تجمعهم بالاردنيين المصاهره والعمل والحياة المشتركة.
واليوم، تشير بيانات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إلى وجود أكثر من 2.39 مليون لاجئ فلسطيني مسجل في الأردن وهو أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في مناطق عمليات الوكالة الخمس ومعظمهم يحملون الجنسية الأردنية ، بينما توجد فئات لها أوضاع قانونية مختلفة، من بينها نازحون من قطاع غزة عام 1967. وهذا رقم لا يمثل مجرد إحصائية ؛ بل يمثل أجيالا كاملة وجدت في الأردن مكانا للحياة، دون أن يعني ذلك تنازلها عن حقها في العودة إلى وطنها.
ثم جاءت حرب العراق عام 2003، فاستقبل الاردن أعدادا كبيرة من العراقيين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم . وتشير تقديرات لجنة الولايات المتحدة للاجئين والمهاجرين إلى أن نحو 300 الف عراقي كانوا يعيشون في الاردن في اوضاع شبيهة باللجوء في ذلك العام وتصل في بعض ذروات الازمة الى 500-700 الف عراقي , مع الاشارة إلى أن الرقم لم يكن إحصاءً دقيقا للاجئين المسجلين. لقد وجد العراقي في الأردن بلداً قريباً من لغته وثقافته وعاداته, وبيئة يستطيع فيها أن يعيد ترتيب حياته بعيدا عن ويلات الحرب .
وفي عام 2011، ومع اندلاع الأزمة السورية, تكرر المشهد بصورة أكبر . فُتحت الحدود امام اعداد كبيرة من السوريين الفارين من القتال ,وانشئت مخيمات الزعتري والأزرق فيما استقرت الغالبية في المدن والبلدات والقرى الأردنية , بين البيوت والأحياء والمدارس واماكن العمل .
وبحسب المفوضية السامية للامم المتحدة لشؤون اللاجئين , كان الاردن يستضيف في نهاية عام 2024 نحو 675 الف لاجئ مسجل لديها, كان قرابة 90% منهم من السوريين. وتظهر بيانات المفوضية المحدثة في 30 أيلول 2026 انخفاض العدد المسجل إلى نحو 352 الفاً, نتيجة عودة اعداد من السوريين إلى بلادهم, مع بقاء الاردن مستضيفاا للاجئين من العراق واليمن والسودان ودول أخرى .
وهنا ينبغي ان نتوقف قليلا .
فليس من الانصاف ان نتحدث عن اعداد اللاجئين دون ان نتحدث عن حجم المسؤولية التي تحملها الاردن. فالدولة التي تستقبل هذا العدد الكبير من البشر تحتاج الى مدارس ومستشفيات ومياه وكهرباء وطرق وفرص عمل, وتحتاج الى موارد مالية ضخمة,في وقت تواجه فيه أصلاا تحديات اقتصادية وبطالة وندرة في المياه وضغطاًعلى خدماتها العامة.
ورغم كل ذلك، لم يكن اللاجئون في نظر المواطن الأردني مجرد ارقام في تقارير دولية, بل كانوا جيرانا واصدقاء وزملاء واشخاصا تجمعهم به اللغة والقرابة والإنسانية. لقد فتح الأردني بيته,وشاركه رزقه , ووقف الى جانبه في اوقات الشدة. ولم تكن هذه الروح وليدة قرار إداري, بل امتدادا لقيم اجتماعية متجذرة في ثقافة الأردنيين: (النخوة والكرم واغاثة الملهوف).
الاردن .. حكمة القيادة وصبر الدولة
لم يكن استمرار الاردن في هذه البيئة المضطربة ممكناا دون سياسة سعت إلى حماية امن واستقرار الدولة, وتجنب الانجرار إلى حروب لا تستطيع البلاد تحمل نتائجها, مع المحافظة على التزاماتها العربية ومواقفها تجاه القضايا المركزية .
فلقد تعاقبت على الاردن ظروف اقليمية شديدة التعقيد, من الحروب العربية الإسرائيلية, إلى الحرب العراقية الإيرانية، وغزو العراق ,والازمة السورية, وصولا الى الحروب المتلاحقة التي شهدتها المنطقة. ففي كل مرحلة كانت القيادة الأردنية تواجه معادلة صعبة : كيف تحافظ على امن البلاد واستقرارها, دون أن تتخلى عن مسؤولياتها العربية والإنسانية ؟
وهذه ليست معادلة سهلة, ولا تعني ان كل قرار سياسي كان بمنأى عن النقد او ان مسيرة الدولة لم تشهد اخطاء وتحديات، لكن قراءة تاريخ الاردن تقتضي فهم الظروف التي احاطت بقراراته, واوبلمكانات التي امتلكها, والتكاليف التي تحملها .
لقد اختار الاردن في محطات كثيرة لغة الدبلوماسية والحوار, وتمسك بالحلول السياسية, وحافظ على قنوات الاتصال مع اطراف متباينة, انطلاقا من إدراك ان اندلاع حرب جديدة على حدوده قد لا تكون مجرد ازمة عابرة, بل تهديداا مباشرا لأمن شعبه ومستقبل دولته .
وفي القضية الفلسطينية تحديدا, بقي الاردن متمسكا بالوصاية الهاشمية على المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس , وبحل الدولتين, وبحق الشعب الفلسطيني في اقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني, إلى جانب استمرار دعمه الانساني والسياسي للقضية الفلسطينية .
ان الحكمة السياسية لا تعني غياب المواقف كما ان الاعتدال لا يعني التنازل عن الحقوق, وقد تكون اصعب القرارات أحيانا تلك التي تتطلب من الدولة ان توازن بين واجبها تجاه امتها وواجبها الاول تجاه شعبها.
لكن... هل يُقدّر الجميع ما قدمه الأردن ؟
هنا تكمن مرارة الحكاية .
فالاردن الذي وقف إلى جانب اشقائه في اوقات المحن, لم يكن دائماا يجد التقدير الذي يوازي ما تحمله. وكم من مرة واجه حملات تشكيك او إساءة او اتهامات بالتقصير وكم من مرة نُسيت مواقفه, او جرى التعامل مع ما قدمه وكأنه امر مفروض عليه, لا موقف اختارته دولة وشعب بارادتهما وتحملتا تبعاته .
وليس المقصود أن نطالب الشعوب العربية بالامتنان الدائم, او ان نحول المواقف الانسانية إاى ديون سياسية, فالاردن لم يستقبل الاشقاء ليمنّ عليهم , ولم يضحِّ جنوده من اجل تصفيق او ثناء. لكن الانصاف يقتضي الا تُمحى الحقائق, وألا يُقابل الاحسان بالجحود، وألا تُختزل مواقف وطن وتضحيات ابنائه في احكام ظالمة او روايات مبتورة.
وفي هذا المقام اقتبس مقوله للملك الباني الحسين رحمه الله ( لا تكونوا جاحدين نعمة , لا تكوموا لؤماء واذكروا فضل هذا البلد عليكم جميعا ).
وللإنصاف ايضا يقتضي ان نفرّق بين الشعوب ومواقف بعض الافراد, وألا نعمم الاساءة على امة كاملة ؛ فبين العرب من حفظ للاردن مواقفه وقدّر تضحياته. وبينهم من عاش فيه سنوات طويلة وما زال يحمل له المحبة والوفاء .
أنا الاردن... وهذه حكايتي
انا الأردن. لست دولة غنية بالنفط،,ولا امتلك ثروات طبيعية هائلة, ولا اعيش بعيدا عن بؤر الصراع . مواردي محدودة, وتحدياتي كبيرة, ومياهي شحيحة, واقتصادي يواجه اعباء متراكمة, لكنني لم اجعل ضيق الامكانات مبرراا لاغلاق ابوابي امام المحتاجين .
انا البلد الذي احتضن الفلسطيني والعراقي والسوري واستقبل اليمني والليبي وغيره من ابناء هذه الامة, وفتح لهم المدارس والمستشفيات والاسواق والبيوت, وتقاسم معهم ما يستطيع من إمكانات ..
انا البلد الذي قاتل جنوده في القدس واللطرون وباب الواد والكرامة, وامتدت مشاركته العسكرية إلى الجبهة السورية في حرب تشرين. وفي كل محطة من هذه المحطات بقيت اسماء الشهداء شاهدة على ان العروبة لم تكن في تاريخ الاردن مجرد كلمات تُقال في الخطب.
انا البلد الذي يعرف ان الحفاظ على الدولة ليس انانية, وان حماية الحدود ليست تخلياا عن الاشقاء, وان السعي الى السلام لا يعني نسيان الحقوق ,وان قوة الاوطان لا تقاس فقط بما تمتلكه من سلاح وثروة, بل ايضا بقدرتها على حماية شعوبها ومواجهة الازمات دون ان تفقد هويتها .
ولعل من اعظم ما يملكه الاردن ليس موارده الطبيعية, بل إنسانه؛ ذلك الاردني الذي ما زال يرى في اكرام الضيف واجبا وفي نجدة الملهوف شرفاً, وفي الدفاع عن وطنه مسؤولية لا تقبل المساومة.
أنا الأردن... لا أطلب من احد ان ينسى قضاياه, ولا ان يتخلى عن حقوق, لكنني اطلب الإنصاف .
انا الأردن..
حكاية وطن لم تكن طرقه دائماًامعبّدة بالسلام، ولم تكن سماؤه بعيدة عن العواصف, لكنه ظل يحاول ان يكون مساحة للامان وسط اقليم لا يعرف الهدوء .
وان نسي البعض ما قدمت, فلن ينسى التاريخ, ولن تنسى ارضي خطى جنودي , ولن تنسى القدس أبناء الجيش العربي الذين دافعوا عنها, ولن تنسى بيوت الأردنيين أبوابا فُتحت لاشقاء ضاقت بهم أوطانهم .
انا الأردن .. وهذه ليست حكاية من نسج الخيال, بل حكاية وطن تشهد عليها الارض والتاريخ والدموع والدماء.