facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الوظيفة العامة تكليف لا تشريف .. رسالة ملكية لا تحتمل التأويل


وسام سامي الساكت
03-11-2026 12:38 PM

حين يؤكد جلالة الملك عبدالله الثاني في خطاب العرش السامي أن «لا مكان في بلدنا وبيننا لمن يظن أن الوظيفة العامة هي تشريف يرفّعه عن العمل أو خدمة الناس»، فإنه لا يوجه رسالة إلى الموظف العام فحسب، بل يضع أمام الإدارة العامة مبدأً جوهرياً ينبغي أن يحكم ثقافتها وممارساتها: أن المنصب مسؤولية، وأن الصلاحية تكليف، وأن خدمة المواطن هي الغاية من وجود المؤسسة العامة.

هذه الرسالة الملكية تتجاوز حدود الالتزام الوظيفي بمعناه التقليدي، لتلامس جوهر الإدارة الحديثة التي لم تعد تنظر إلى الوظيفة باعتبارها موقعاً إدارياً أو امتيازاً يرتبط بالمسميات والمناصب، بل باعتبارها دوراً فاعلاً في صناعة النتائج وتحقيق القيمة العامة. فالمسؤول لا يُقاس بموقعه في الهيكل التنظيمي، وإنما بقدرته على تحويل الصلاحيات الممنوحة له إلى إنجاز ملموس، وبما يتركه من أثر إيجابي في المؤسسة والمجتمع.

وفي هذا السياق، يصبح الانتقال من إدارة الإجراءات إلى إدارة النتائج ضرورة لا خياراً؛ إذ لم يعد كافياً أن تلتزم المؤسسة بسير المعاملات أو تنفيذ الخطط شكلياً، بل أصبح نجاحها مرتبطاً بجودة خدماتها، وكفاءة استخدام مواردها، وسرعة استجابتها لاحتياجات المواطنين، وقدرتها على الابتكار والتطوير. وهذه هي إحدى ركائز الإدارة الحديثة القائمة على الأداء والأثر، لا على مجرد شغل الوظائف واستكمال المهام.

ولعل الجانب الأكثر وضوحاً في الرسالة الملكية هو الربط بين المسؤولية وسيادة القانون، حين أكد جلالته أنه «ولا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أيا كان»، وأن «القانون لا يعرف اسما، ولا منصبا، ولا نفوذا». وهذا تأكيد لمبدأ الحوكمة الرشيدة، الذي يجعل المساءلة أساساً للعمل المؤسسي، ويربط السلطة بالمسؤولية، ويضمن أن تكون القواعد والمعايير واحدة على الجميع، دون استثناء أو تمييز. فالثقة بالمؤسسات لا تُبنى بالخطاب وحده، بل بعدالة القرارات، ونزاهة الممارسة، ومحاسبة التقصير.

كما أن ترجمة هذه الرسالة إلى واقع إداري تتطلب قيادات تؤمن بالقدوة قبل التوجيه، وبتمكين الموظفين قبل مراقبتهم، وبالتفويض المسؤول والعمل بروح الفريق. فالقيادة الحديثة لا تستمد قوتها من المسافة التي تفصلها عن الموظفين أو المواطنين، بل من قدرتها على بناء بيئة عمل تحفز المبادرة، وتحتضن الأفكار، وتكافئ الإنجاز، وتتعامل مع التحديات بعقلية الحلول لا بعقلية تبرير الواقع.

إن تحديث الإدارة العامة لا يتحقق بالتحول الرقمي أو إعادة هيكلة المؤسسات وحدهما، على أهميتهما، بل يحتاج إلى تحول أعمق في الثقافة المؤسسية؛ ثقافة تجعل المواطن محور الخدمة، والإنجاز معيار التقييم، والنزاهة أساس الممارسة، والمساءلة ضمانة لاستدامة الأداء. فالأدوات الحديثة لن تحقق أثرها ما لم يواكبها إنسان يدرك قيمة دوره وحجم الأمانة التي يحملها.

إن الرسالة الملكية لا تحتمل التأويل، لأنها تعيد الوظيفة العامة إلى معناها الأصيل: خدمة الوطن والمواطن. وهي تضع كل مسؤول وموظف أمام سؤال جوهري: ما القيمة التي أضيفها من خلال موقعي؟ وما الأثر الذي أتركه من خلال عملي؟

فالمنصب ليس وجاهة، والصلاحية ليست امتيازاً، والوظيفة العامة ليست غاية في ذاتها؛ إنها أمانة ومسؤولية. ومن هنا تبدأ الإدارة الحديثة، حين يتحول شاغل الوظيفة من مجرد مؤدٍ للمهام إلى صانع للأثر، وتتحول المؤسسة من جهاز يدير الإجراءات إلى مؤسسة تحقق قيمة حقيقية للمواطن والوطن.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :